فهرس الكتاب

الصفحة 1806 من 23694

لم يكن الشرق الحديث الذي وجدوه هو الشرق الحقيقي، وإنما كان صدفة ميتة، لا ينفث الحياة فيها من جديد إلا أوربا: كان السفر إلى الشرق نوعا من الحج، لا يثمر إلا عندما يواجه المسافر الأخطار ويتغلب عليها، أو عندما يرى أماكن غريبة يدير ظهره لها ويعود إلى نفسه مغتنيًا. وعلى الرغم من المشابهات بين الموقفين الفرنسي والإنكليزي، فإن السيد سعيد مدرك لاختلافهما، وربما هو يغالي في ذلك. فهو يقول إن الشرق المسلم بالنسبة إلى البريطانيين- الذين أقاموا آمنين في الهند- منطقة للسيطرة الممكنة - الموجودة بالقوة- وأما بالنسبة إلى الفرنسيين فقد كانوا مسكونين بإحساس الخسارة الفادحة. ولكن الفرنسيين في تلك الفترة لم يخسروا الشرق الأوسط على نحو لا يمكن استعادته فيه، وقد كسبوا لأنفسهم مقاطعة جديدة للخيال في الجزائر.

وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر يبدأ طور جديد. فالحكومات الإمبريالية تأخذ على عاتقها مسؤوليات جديدة: البريطانيون في مصر، والفرنسيون في تونس. وبعدها يتم تقسيم الإمبراطوريات العثمانية - الذي أنذر بالحرب العالمية الأولى - في نهايته، وتسقط المقاطعات الناطقة بالعربية في أيدي البريطانيين والفرنسيين، وتصبح العلاقة بين العمل العلمي والعمل السياسي أوثق وأكثر تعقيدًا وتغدو المؤسسات - التي يتم من خلالها بث التقليد الاستشراقي - أكبر وتنظم بشكل أكثر رسمية، وتوثق صلاتها بالحكومات. وضمن هذا التقليد تنبثق نماذج إنسانية جديدة من المستشرقين. وعندما يظهر في الجيل الذي سبق عام 1914، عصر التوسع الجذل المولع بالقتال والواثق من نفسه،"العميل الإمبريالي"الرجال الذي يضع معرفته وأفكاره، شعوره ودوافعه في خدمة الإمبراطورية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت