ولعل السيوطي هو الذي صرح بفكرة المناسبة هذه، وذلك عندما علق على الألفاظ التي أوردها في مزهره في باب مناسبة الألفاظ للمعاني )) قائلًا: فانظر إلى بديع مناسبة الألفاظ لمعانيها، وكيف فاوتت العرب في هذه الألفاظ المقترنة المتقاربة في المعاني، فجعلت الحرف الأضعف فيها والألين والأخفى والأسهل والأهمس لما هو أدنى وأقل وأخف عملًا أو صوتًا، وجعلت الحرف الأقوى والأشد والأظهر والأجهر لما هو أقوى عملًا وأعظم حسًا ... )) . (15)
أقول إن السيوطي هو الذي صرح بفكرة المناسبة هذه، وذلك بعدما جمع مادته من مؤلفات سابقيه كسيبويه، وابن جني، والثعالبي، وابن دريد، ثم تابعه علماء عرب محدثون في هذه القضية، إلى أن انتهى أحدهم-وهو الدكتور إبراهيم أنيس- إلى وصف ما قاله ابن جني والثعالبي بتخيلات وتأملات تشبه أحلام اليقظة، وذلك في قوله: وهكذا نرى أن ابن جني كان ممن يؤمنون إيمانًا قويًا بوجود الرابطة العقلية المنطقية بين الأصوات والمدلولات أو ما يسميه بعض المحدثين بالرمزية الصوتية، بل لقد غالى ابن جني في هذا ومعه الثعالبي صاحب فقه اللغة إذ جعل مجرد الاشتراك في أصلين فقط من الأصول الثلاثية دليلًا على الاشتراك في معنى عام لبعض الكلمات، فيقرر أن المعنى العام للتفرقة يكون بين صوتي الفاء والراء، والمعنى العام للقطع يكون بالقاف والطاء، إلى غير ذلك من تخيلات وتأملات تشبه أحلام اليقظة عند رجل اشتد ولعه باللغة العربية فتصور فيها ما ليس فيها، وأضفى عليها من مظاهر السحر ما لا يصح في الأذهان ولا تتصف به لغة من لغات البشر )) . (16)
ويستمر الدكتور إبراهيم أنيس في إصراره على أن هؤلاء العلماء قد اشتد ولعهم بالبحث في المناسبة الطبيعية بين الألفاظ ومعانيها، لينتهي في الأخير إلى إنكار هذه القضية.