الواقع أن ما ذهب إليه الدكتور أنيس لا يعد بدعًا في الدرس اللغوي الحديث، بل سبقه إلى ذلك علماء لهم قدرهم في مجال البحث اللغوي. فهذا سوسير )) رائد علم اللغة الحديث يتحدث عما يسمى باعتباطية العلامة اللغوية L,arbitraire du signe linguisique، ويذهب إلى أن العلاقة بين الدال والمدلول علاقة اعتباطية، ويضرب لذلك مثلًا بكلمة Soeur، ويرى أنه لا توجد أية رابطة بين الفونيمات S.O.R وبين مدلولها، بل أنه يمكننا أن نعبر عن هذا المدلول بأي تتابع صوتي آخر مشابه، هذا بالإضافة إلى أن جميع لغات العالم تستعمل في التعبير عن هذا المفهوم كلمات تختلف اختلافًا جذريًا. (17)
وإذا كان الدكتور إبراهيم أنيس قد ذهب مذهب كثير من علماء اللغة الغربيين في رفض مثل هذه المناسبة الطبيعية، فإن محمد المبارك من الذين ناصروا هذه القضية ودافعوا عنها دفاعًا شديدًا. ولقد خصص في كتابه فقه اللغة وخصائص العربية )) مبحثين خص بهما: القيمة التعبيرية للحرف الواحد في اللغة العربية، والوظيفة البيانية والقيمة التعبيرية للحروف في اللغة العربية. فهو بعد أن يستعرض كثيرًا من أقوال ابن جني وغيره، يخلص إلى القول بأن ثمة أمثلة كثيرة في العربية تدل على التناسب الصوتي والتقابل الموسيقي في تركيب الكلمات وحروفها، ولكن هذه الملاحظات والأمثلة التي أوردها بعض اللغويين قديمًا وحديثًا لا تكفي لإقامة نظرة عامة واستنباط قانون عام قبل توسيع أفق الملاحظة والاستقراء، وهي على كل حال تدل على ما في اللغة العربية من الخصائص الموسيقية في تركيب كلماتها، وعلى ما بينها وبين الطبيعة من تقابل صوتي وتوافق في الجرس، وذلك أول دليل تقدمه لنا العربية من خاصتها الطبيعية وعلى أنها بنت الفطرة والطبيعة )) . (18)