في الرابع عشر من شهر شباط فبراير) من كل عام يحتفل الشباب والشابات بعيد القديس فالانتين) ويتبادلون الهدايا والزهور الحمر. ومرَّ اليوم الثالث والعشرون من شهر نيسان ابريل) الحالي الذي قررته منظمة اليونسكو منذ عام 1996 عيدًا للقراءة) دون أن يشعر به أحد، حتى عشاق) القراءة، فلم يتبادل القرّاء الكتب ولا المجلات، كما فعل أتباع فالانتين في عيد عشقهم). ونسي القرَّاء العرب أن أكبر أديب عربي في العصر العباسي بل في عصور الأدب كلها هو الجاحظ ونسوا أنه كان يكتري دكاكين الورّاقين ويبيتُ فيها للقراءة) فإذا طلع عليه الصباح سلَّم مفتاح الدكان لصاحبه، ومضى للبحث عن لقمة العيش، فإذا توفرت لديه ساعة من نهار اعتكف على الكتابة والتأليف، ومن هنا، من قراءة الليل، ومن تجارب النهار جاءت ثقافته الموسوعية فكتب في علم الحيوان وفي البيان والتبيين وفي الغرائز والأخلاق، والأجناس والأعراق، فإرادة القراءة لديه، وحب الاطلاع على كل شيء جعله يصون حقوق فكره من البلادة والتجمد، وجعله كالنحلة تبحث عن الرحيق تجنيه وتفرزه عسلًا مصفى في عملية انتقائية عجيبة، وفي تراثنا ظاهرة أخرى تعكس فلسفة غريبة قد لا نُقرّها، هي ظاهرة أبي حيان التوحيدي الذي ألَّف في ميادين مختلفة، في فلسفة الصداقة والإمتاع والمؤانسة، مع أنه أمضى حياته بائسًا يتنقل في الأمصار، ويغترف من المجتمعات المختلفة تجارب وثقافات يودعها في كتبه، ولكنه عندما وجد أناس زمانه لا يستحقون هذه الثقافات التي شقي في جمعها أحرق كتبه، ورأى أن يطعمها للنيران خيرًا من أن يطعمها للعقول الصدئة التي تسيء الظن في فهمها ومرامي غاياتها.