وإذا كان الأستاذ عبد السلام هارون -رحمه الله- قد بذل جهدًا مشكورًا في تحقيق الكتاب وإخراجه للمكتبة العربية، فلا يزال الكتاب بحاجة إلى تحقيق جديد أكثر دقة، يجمع ما يستطيع من نسخ الكتاب وشروحه، ويلتزم منهجًا علميًا في الترجيح بين الروايات، وفي تحقيق نصوص الكتاب وشواهده، ويفصل الحواشي والتعليقات عن المتن، ويحاول -جاهدًا- نسبتها إلى أصحابها، ويفسر ما غمض من عبارات الكتاب. إلى غير ذلك من الأهداف المتوخاة في تحقيق هذا الكتاب العمدة في الدراسات النحوية واللغوية.
ولا يخفى على كل ذي نظر أو مسكة من عقل وروية- أن هذا العبء لا يمكن أن ينهض به فرد واحد مهما وهبه الله من رجاحة عقل، ونفاذ بصيرة، وقوة عزيمة، وفضل وقت، وطول صبر، فالأستاذ عبد السلام هارون أوتي قدرًا كبيرًا مما ذكرته آنفًا، ولم يسلم تحقيقه من القصور، على الرغم من جلالة قدره وطول باعه في ميدان التحقيق، تشهد بذلك تصانيفه التي أتحف بها المكتبة العربية.
وكان شيخنا الدكتور/ محمود محمد الطناحي -رحمه الله- كثير الثناء عليه، ويعده من جلة المحققين، وأئمة المدققين. إذن فلا سبيل إلى تحقيقه تحقيقًا علميًا رائدًا إلا بإسناده إلى لجنة علمية سبرت أغوار المكتبة النحوية، وأوقفت حياتها على خدمة التراث اللغوي، ونذرت لله أن ترفع لواء العربية فوق ربى الدنيا بإخلاص ويقين.
وتشتد الحاجة اليوم -قبل البدء في هذه المهمة الجليلة- إلى توضيح أوجه القصور والأخطاء التي اشتملت عليها طبعتا الكتاب أولًا، لنسير في طريق نهجة، وبخطى واثقة نحو الهدف المنشود. وهذا ما أعكف عليه لأكمل رحلتي في عوالم كتاب سيبويه راجيًا أن تحقق هذه الرحلة نفعًا، وتَرْتِق فتقًا، وتسد خللًا، وتلبي مطلبًا إن شاء الله.
? الهوامش
(1) نزهة الألباء في طبقات الأدباء، أبو البركات الأنباري؛ القاهرة، 1294هـ= 1876م، ص 184.
(2) المرجع السابق ص 184.