وحين يترجم لأبي الوليد ابن رشد يذكر اسمه القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد ولد بقرطبة ونشأ بها. ثم يذكر فضله وذكاءه وعنايته بالعلوم المختلفة واشتغاله بالتأليف فيها. ويعدد بعض كتبه في الفقه والطب والفلسفة كشروحه على أرسطو وتعليقاته على الفارابي وابن سيناو كتاب تهافت التهافت، ويبدو أنه اعتنى في الطب بشرح جالينوس كما اعتنى في الفلسفة بشرح أرسطو. ويتتبع مناصب القضاء التي وليها ثم تقريب ملك الموحدين الناصر له ثم إمعان ابنه المنصور في تقريبه حتى أن ابن رشد تشاءم من شدة التكريم. ويتعرض لنكبته من عزل ونفي واضطهاد للتلاميذ والأنصار. ويقول المؤلف أن الملك أظهر أنه فعل ذلك بهم لاشتغالهم بعلوم الأوائل. ولا يتعاطف العيون مع ناكبي ابن رشد باسم العقيدة، والدليل على ذلك أنه لا يذكر شيئًا من التهم التي وجهت إلى معتقده ولا يدل على مطعن فيه. وكل ما يذكره هو أمور دنيوية مما يهم الملوك والحكام مثل مخاطبة ابن رشد للملك بعبارة"بتسمع يا أخي"ومثل اتهامه إياه بأنه لقبه بملك البربر ودفاع الفيلسوف بأن قصده ملك البرين والذنب ذنب النسخ. ويروي أن السبب المباشر للعفو عنه كان شهادة وفد من أعيان اشبيلية بحسن عقيدته. وينسب إليه القول الشهير"من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانًا بالله".
ويستخدم المؤلف الرواية الشفهية أثناء ترجمة ابن رشد إذ يقول (حدثني القاضي مروان الباجي قال:"كان القاضي أبو الوليد بن رشد حسن الرأي ذكيًا رث البزة قوي النفس..") وعلى كل حال فإن ترجمة ابن رشد لم تكن من الاتساع والتنوغ اللذين عرفتهما كل من ترجمة ابن سينا وأرسطو، ولعل السبب هو أن البعد الزمني الفاصل بين صاحب العيون وبين هذين الفيلسوفين كان ممتدًا بشكل يكفي لتداول سيرتهما وانتشار الحكايات عنهما وتردد أقوالهما على أن ابن رشد توفي تقريبًا عند ولادة ابن أبي أصيبعة.