وعلى عادة العيون فإن مذهب ابن سينا الفلسفي لا يشرح ولا يلخص بل يكتفي بما أشرنا إليه من ترجمة حياة ومؤلفات وأشعار فضلًا عن بعض الأقوال الحكيمة التي تصوره معتدلًا فمن كلامه وصية أوصى بها أحد أصدقائه وهو أبو سعيد ابن أبي الخير الصوفي:"ليكن الله تعالى أولى فكر له وآخره وباطن كل اعتبار وظاهره.. مسافرًا بعقله في الملكوت الأعلى وما فيه من آيات ربه الكبرى.."
ففي كل شيء له آية
وليعلم أن أفضل الحركات الصلاة وأمثل السكنات الصيام وأنفع البر الصدقة.. والحكمة أم الفضائل أما اللذات فيستعملها على إصلاح الطبيعة وبقاء الشخص أو النوع أو السياسة، أو المشروب فإن يهجر شربه لا تلهيًا بل تشفيًا وتداويًا.. ويعظم السنن الإلهية ويواظب على التعبدات البدنية.."."
وتظل سيرة ابن سينا شاهدة على نبوغه مثيرة للتعاطف معه وإن ذكرت له بعض المقطوعات الخمرية، فقد أورد له قوله أنه يرضى بالخمر تشفيًا لا تلهيًا. ومع أن المؤلف جاء في عصر ما بعد الغزالي فإنه لم يثر المسائل التي آثارها الغزالي حول عقيدة الفلاسفة ومنهم ابن سينا كالقول بقدم العالم وأن البعث يكون بالأرواح دون الأجساد وأن علم الله يتناول الكليات دون الجزئيات ولا أفسر ذلك بعدم إطلاعه عليها لأن الجو العلمي كان يتداول أمثال هذه المسائل تحريريًا وشفهيًا، وابن أبي أصيبعة يعرف أن لابن رشد كتابًا في الرد على الغزالي [3] ، والسبب الذي أرجحه لعدم الخوض في قضية صحة عقيدة ابن سينا هو إرادته الواعية التي ارتضت المنهج التعاطفي الإيجابي المشجع على احترام أولئك المفكرين الذين يترجم لهم فضلًا عن أنه ينظر إلى العقيدة السليمة بمنظار واسع غير ضيق.