ويظل المنهج التعاطفي واضحًا في الصفحات القليلة التي خص بها ابن رشد ولعل ما أوردناه منذ قليل يكفي دليل على ذلك.
وهذا المنهج التعاطفي الذي اتبعه صاحب العيون إن دل على شيء فإنما يدل على سعة أفق هذا الطبيب الباحث واحترامه العميق للثقافة والمسهمين في إغنائها. ومن أكبر مظاهر احترامه الثقافة هو تمجيده للفلسفة والفلاسفة على خلاف ما كان يفعله كثير من متعلمي عصره والعصور التالية له. إن عبد الرحمن بن خلدون نفسه قد هاجم الفلسفة من وجهة نظر قريبة من وجهة نظر الغزالي غالبًا مع أنه يعد من مفاخر الفلسفة العربية ومع أنه استفاد كثيرًا من آراء الفلاسفة السابقين عليه. وأما ابن أبي أصيبعة فإنه يقول في وصف أحد أبناء عائلة ابن خلدون السابقين على عبد الرحمن (.. وكان متصرفًا بعلوم الفلسفة مشهورًا بعلم الهندسة والنجوم والطب مشبهًا بالفلاسفة في إصلاح أخلاقه وتعديل سيرته وتقويم طريقته...) وهذا الخلدوني الذي وصفه صاحب العيون وهكذا هوأبو مسلم عمر بن أحمد ابن خلدون الحضرمي من أشراف أهل اشبيلية التي توفي فيها عام 449 للهجرة. والنتيجة التي نتوصل إليها من خلال كل هذه الأمثلة والتعليقات أن كتاب عيون الأنباء كتاب يحقق أهم شروط الأدب العلمي وهو استثارة حماسة القارئ وتجاوبه مع المفكرين ومعاناتهم الفكرية لكي تقبل نفسه على خوض غمار العلم والبحث فأما أن يصل إلى مرحلة التدقيق والتأمل العميق، وأما أن يظل على الشاطئ ينظر إلى بحر الفكر بإعجاب ويعتز بما يلقي إليه من لآلئ ويمد إليها يده بالصقل والصيانة ويعمل على نشر فضلها بدلًا من سحقها أو نبذها. وليس ابن أبي أصيبعة وحيدًا في هذا المنهج عبر تاريخنا الفكري كما نأمل أن نبين في المستقبل.
سهيل عثمان
[1] لعل المقصود بالتنين: الحية التي ترافق استولاب. فمن معاني التنين أنه الأفعى العظيمة.