وقد لاحظت أن العيون لم يعرض فلسفة أرسطو كمذهب متكامل يشمل بشكل متسلسل آراءه في العالم والمحرك الأول والصورة والمادة وأنواع النفوس ونظرياته في الفضيلة وأنواع الحكومات ومنطقه وما يحتوي عليه من نظريات في المقولات والأقيسة والبراهين ثم نظرياته الفنية وإن عدّد الكتب التي تحتوي على كل هذه المضمونات فكأن الكتاب مؤلف لغير المختصين موجه إلى طلاب الثقافة العامة الذين يريدون أن يأخذوا فكرة عن كبار رجال الفكر الأطباء. والمؤلف يعاملهم بذكاء فهو يعرض لهم رجل الفكر عرضًا حيًا تختلط فيه السيرة بالفكرة بالحكاية بالقائمة المكتبية حتى يدفعهم إلى متابعة الأطلاع والرغبة فيه فيجدون مراجعهم للتوسع مسرودة أمامهم. ولعله من أجل هذه الغاية لم يخض في مسائل الخلاف حول أرسطو وعقيدته وما دار من جدل حولها وبشكل خاص فيما يتعلق بقدم العالم ومصير النفوس الفردية بعد الموت والصفات الإلهية عنده.. وينتهي القارئ من قراءة ترجمة أرسطو في العيون محبًا له باعتباره حكيمًا نبيلا علامة داعية اعتدال وعدل وتوازن وعقيدته لا غبار عليها.
فإذا ما تركنا الفيلسوف اليوناني الموسوعي وعدنا إلى البلاد العربية نجد طبيبًا مخضرمًا عاش بين الجاهلية والإسلام هو الحارث بن كلدة الثقفي. ويذكر صاحب العيون أنه طاف في البلاد وتعلم الطب في فارس وينوه بتعلمه ضرب العود وعاش حتى خلافة معاوية. وقد سأله معاوية: ما الطب يا حارث؟ فقال: الأزم يعني الجوع (وللأزم عدة معان لعل أقواها في هذا المقام هو الحمية والامتناع عما يضر) وقد أعطى الجواب نفسه حين سأله عمر بن الخطاب عن الدواء. ويروي أنه قابل كسرى أنوشروان وجرت بينهما محاورة دافع فيها الحارث عن العرب وبيّن فضائلهم، وأجاب عن عدد من الأسئلة الصحية تدل على استمداده طبه من التجارب الشخصية والشعبية فالداء الدوي هو ادخال الطعام على الطعام. وذم التخمة، ودعا الإنسان إلى ألا يدخل الحمام وهو شبعان.