تناول شوقي بعد قرون مشهد المجنون وجبل التوباد، فأراد تحويله إلى مشهد مسرحي، لشدة مناسبة المشهد القائم على الحوار بين المجنون والجبل، وهي حال متفردة سابقة زمنها بقرون.
إنه حوار، وليس جدلًا، فقد كان الجدل بين الإنسان والكون، وكان الكلام وهمًا، أو لسان حال، لكن هذه الحال بلغت من القوة ما جعلها حقيقة حسية عند المجنون كما رأينا ببصر الجبل إياه، وتكبيره عند لقياه، وإجابته عن تساؤلاته، وفلسفته للحياة على أنها دار ممر وعبور.. وليست دار مقر مهما تبلغ قوة الإنسان وقدرته في هذه الفانية، ومهما تبسمت له الدنيا، وأعطته من رغد العيش، وبسط السلطان، وخفض المكان، فإنه راحل من مكان إلى مكان أو منها إلى غيرها.
جاء شوقي إلى هذا المشهد فأعاده إلى الحياة على نحو ما يتصوره، أو على نحو ما ينبغي للمجنون أن يقول، فقال شوقي على لسان المجنون ما يأتي [1] :
جبلَ التوبادِ! حيَّاكَ الحَيا
فيكَ ناغينا الهوى في مهدهِ ... ورضعناهُ فكنتَ المُرضعا
وحَدْونا الشمسَ في مغربها ... وبكَرْنا فسبقنا المَطلِعا
وعلى سفحكَ عشنا زمنًا ... ورعينا غنمَ الأهلِ معًا
هذه الربوةُ كانتْ ملعبًا ... لشبابينا وكانتْ مرتعًا
كم بنينا من حصاها أربُعًا ... وانثنينا فمحونا الأربُعا
وخططنا في نقَا الرمل فلمْ ... تحفظ الريحُ ولا الرملُ وعى
لم تزل ليلى بعيني طفلةً ... لم تزد عن أمسِ إلا إصبَعا
ما لأحجاركَ صمًّا كلما ... هاجَ بي الشوقُ أبتْ أن تسمعا
كلما جئتُكَ راجعتُ الصِّبا ... فأبتْ أيامهُ أن ترجعا
قد يهونُ العمرُ إلا ساعةً ... وتهونُ الأرضُ إلا موضعا
هذه أبيات شوقي التي عبر بها عن مشهد جبل التوباد، وكشف فيها عن حال المجنون أمام الجبل، وفيها نجد شوقيًا قد تمثل الموقف، ورسم صورته على النحو الآتي: ... ورعينا غنم الأهل معًا
(1) مجنون ليلى، مسرحية أحمد شوقي، القاهرة مؤسسة فن الطباعة، [د. ت] : 120.