فهرس الكتاب

الصفحة 17900 من 23694

وقف المجنون أمام الجبل، فناداه أولًا، بقوله: (جبل التوباد) من غير أداة نداء إيماء منه لقرب الجبل منه حسًا ونفسًا مما تلغى فيه المسافة، وتعاف فيه أداة النداء، ذلك أن شدة القرب من جهة، وشدة الشوق تلغي المسافة، وتضرب عن الوسائط التي تحول دون مباشرة النداء.

ودعا للجبل في تحيته أن يبقى ممرعًا بالغيث، ليكون سببًا لنمو العشب فيه مما يقود إلى حياة الجبل، فيقصده الأحياء من الناس والطير، وسائر جنس الحيوان، وذاك إحياء الجبل.

وعبر عن تحيته للجبل بالجناس بين التحية والحيا بين الاسم والفعل الماضي (حياك) راغبًا في صيغته الخبرية عن الخبر إلى الدعاء، ومنحرفًا عن الماضي إلى المستقبل، فقد عبر بصيغة الماضي (حياك) ليعبر عن شدة ثقته بتحقيق دعائه.

هذا احتراف فني يشير إلى تمكن شوقي في العربية، فجعل صيغة الخبر دالة على الإنشاء بالدعاء، وجعل المستقبل نيةً، ماضيًا في صيغته على جهة الاستعارة توكيدًا للثقة بتحقيق دعائه.

ثم انثنى إلى الدعاء مرة ثانية ليدعو الله أن يسقي أيام الصبا: صبا الجبل، وصباه، وصبا ليلى، على طريقة البدوي في العفة عن ذكر المحبوبة خارجًا على جنون المجنون في شعره؛ لأن السقيا وسيلة من وسائل إعادة الحياة للجبل وما يتعلق به من ملحقات تتصل بتجربته الشعورية، وطلب إليه أن يحمي تلك الأيام ويرقبها كما يرقب الراعي رعيته أيًا كانت، وجعل ذلك جسرًا لفتح خزائن الذكريات المودعة بهذا المكان: ذكريات الطفولة، وأيام الشباب الأولى التي كانت حياة ممتدة مترامية ثابتة له في هذا الجبل، فعاد إلى الجبل في البيت الثاني ليجعله سلمًا يرقى فيه وعليه إلى أيامه الغابرة، فتقدم للجبل مؤانسًا له، ومذكرًا بسالف الأيام، كأن الجبل منكر له، فأخذ يعيد له شيئًا من الماضي المحبب لهما معًا، فذكّره أنه على هذا الجبل وفيه (ناغينا الهوى في مهده) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت