فهرس الكتاب

الصفحة 17898 من 23694

قراءة هذه الرواية تبين أن المنطق جاثم بعضه فيها ببكاء الشاعر عند رؤية الجبل من مسافة بعيدة نسبيًا، وهذا ما جاء في البيت الأول على خلاف الرواية السابقة التي جعلت لفظ (عرفته) بديلًا لها في البيت الأول، وأزاحت فعل الرؤية إلى البيت الثاني، مما يمكن أن يعزى إلى وهم أصاب الناسخ القديم، أو الطابع الجديد، ويثبت تسلسل الفعل المنطقي، رآه من بعيد فشرع بالبكاء، وكبر الجبل من شدة شوقه له وفرحه بهذا اللقاء بعد غياب طويل. فلما عرف الجبلَ باقترابه منه أكثر انعقد لسانه عن البكاء، وغلبته الحال، فتناثرت دموعه. ... وسقى الله صِبانًا ورعى

وساق في البيت الثاني من رواية الديوان الثانية هنا، كلمة (رأيته) وحقه أن يقول (عرفته) لما تقدم. وأضاف بيتين يوضحان حال الجبل التي تشبه حال المجنون، فهو يبكي لما سيأتي غدًا من أمر بفراق المجنون، وهو يبكي في حال اللقاء والاجتماع لعلمه بما سيكون غدًا من أمر الفراق، ذلك أن الجبل ثابت والناس مسافرون أبدًا، ومرتحلون دومًا، فإما رحيل الدنيا المؤقت أو رحيلهم منها إلى العالم الآخر، مما يجعل الجبل في حال البكاء والحزن دائمًا لشدة وعيه قضيةَ الفراق أكثر من البشر الذين لا يعون قانون اللقاء والافتراق إلا في ساعته، ثم يغلب النسيان عليهم.

مما تقدم تبين لنا حال المجنون وحال الجبل في عينه، وهو صاحب التجربة الشعورية، والتجربة الحسية، والخبرة الفنية والجمالية التي تعبر عما في نفسه ضمن وعيه لشروط قبول الناس إبداعه في زمنه، وشروط رده، فكتم في نفسه ما كتم، وعف عما يجب عليه أن يعف في قوله، ورمى الجبل بمشاعره ووصفه بما يجده في نفسه. مما يعني أن الفقرة الآتية ستتناول نص الشاعر أحمد شوقي لنرى ما صنع بهذا المشهد، وبالمجنون ومشاعره، وبالجبل وأحواله، وما الجسور اللغوية والمعنوية والانفعالية بين النصين؟ وما الإضافات التي أضافها أمير الشعراء شوقي؟

* نص المشهد عند شوقي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت