موقف المجنون من الجبل أظهر قوة تأثره حتى انقطع لسانه عن الكلام فأخذ بالبكاء، من غير حيلة ولا قوة له على التعبير بالكلمة لتحية صاحبه الجبل عندما دنا منه، وعرفه معرفة الحس والخبرة اليقينية، واكتفى بالدمع، فلما رأى الجبلُ وحشته، ومقدار الرهبة في نفسه أراد مؤانسته فناداه بأعلى صوته، ولك أن تطلق العنان لخيالك في تصور أعلى صوت للجبل، وأنت لم تسمع جبلًا في حياتك ينادي أو يتكلم ما خلا جبل المجنون، وجبل ابن خفاجة الأندلسي [1] من بعده، وكان حكيمًا مجربًا يتكلم بالحكمة، ولا يصرخ بأعلى صوته كما فعل جبل المجنون الذي أخذ بعض صفاته، وبعضًا من مشاعره. وكان الجبل عند العرب رمز الرصانة والعقل والحكمة، وبه شبهت العقول: (أحلامنا تزن الجبال رزانةً) [2] . ... وَهلَّلَ لِلرحْمَنِ حين رآني
فلما أنس المجنون للجبل وعرفه بدأ يتكلم، ويبلغه أسئلته، ليس عن حال الجبل بل عن سكانه الذين لم يجدهم المجنون فأصيب بالخيبة مرة أخرى، عندما سأل الجبل عن الذين خبرهم في الماضي منتشرين حواليه، يملؤون جوانبه حياة وأنسًا، وكانوا آمنين لا يجرؤ أحد على اقتحام منازلهم لقوة حميتهم وكبر مهابتهم على الأعداء، فلا يخشون أحدًا لذلك قطنوا الأودية، فهم لا يخافون غارات المغيرين، ولا سطوة الأعداء، ولا قوة السيل لأنهم كانوا فيها بغير أوقات الشتاء، كأنها كانت منازلهم في أوقات الربيع بهذا الجبل.
(1) انظر: ديوان ابن خفاجة الأندلسي، بتحقيق: د. سيد غازي، الإسكندرية- منشأة المعارف، ط2، 1979م: 216.
(2) انظر: شرح ديوان الفرزدق، جمع وتحقيق: أ. عبد الله الصاوي، القاهرة مطبعة العبادي، ط: 1، 1354هـ- 1936م: 2/ 717.