أخبرنا المجنون بحال الجبل، وأشواقه له، ذلك أن العلاقة بالكون مبنية على عالم الرؤية المثالية في دنيا المجنون، فالجبل يبادله حبًا بحب، وشوقًا بشوق، وتحية بتحية، فقال المجنون: (وكبَّر للرحمن لما رآني) فالجبل في نفس المجنون وتصوره وشعوره يتكلم، وهو جبل مسلم كالمجنون نفسه، وهو يكبر من شدة تعظيمه لهذه اللحظة، ويكبر للرحمن، متخيرًا صفة الرحمة من صفات الله -سبحانه- لأنه الموقف موقف لقاء بعد غياب وهجر، يحمل معنى من معاني الرحمة بالمجنون لأنه عاد إلى ماضيه أو عاد إليه ذلك الماضي، ولأنه لقي ملاعب الصبا، وعاد إلى صديقه الجبل، وعاد الجبل إليه يكلمه، ويسمع المجنون صوت الجبل مكبرًا للرحمن بمجرد رؤيته من بعيد، تعظيمًا لهذا اللقاء وشكرًا لله الرحمن الرحيم بهما لهذه الفرصة السانحة لمعاودة الماضي وتجديد العهد المنصرم.
إنها علاقة الود والمحبة التي يضمرها المجنون للكون من حوله، والوفاء للتجربة بأبعادها زمانًا ومكانًا وإنسانًا.
ولشدة شوقه للجبل وجد أن المعاني الكامنة في روحه وقلبه عجز الشعر من استخراجها بالبيت الأول الذي عبر فيه عن شعوره بالأمر لما رأى الجبل من بعيد، فلما دنا منه وعرفه معرفة اليقين، لا معرفة الظن والتخمين، وجد نفسه يعاود المعنى الأول على طريقة الأبيات الثواني عند القدماء، فقال:
فأذريتُ دمعَ العينِ لما رأيته
فقلتُ لهُ: أينَ الذين عهدتهمْ ... حواليكَ في أمنٍ وخفض مكانِ
فقال: مضوا، واستودعوني ديارهمْ ... ومن ذا الذي يبقى على الحدثان