فهرس الكتاب

الصفحة 17893 من 23694

ثم وصل إلى جبل بني عامر، من غير تعلق بتفاصيل الرحلة من الشام إلى ديار بني عامر، فكانت ساعة الوصول صورة حية تؤلف مشهدًا أسطوريًا، ذلك أن الحياة الماضية عادت إلى الشاعر بصورة مجملة مبهمة غائمة في عينه ونفسه، وصار الجبل يحمل معنى إنسانيًا، يشعر ويتألم ويبصر ويرحب بكلام عربي مبين، وكلام الأشياء هو جزء من الطور الأسطوري في حياة البشر.

لعل الوقوف على تفصيل قول المجنون يسمح لتجربته بالظهور والوضوح للمتلقين من جهة، وللدارسين أيضًا مما يأذن بالانغماس في تجربته الشعورية على نحو يقربنا منها، ويجعلنا قادرين على تمثلها وتعيين بعض حدودها وآفاقها، ويساعد على فهمها وتذوقها وملاحظة ما أضافه شوقي إلى الموجود من تلقاء نفسه، وما أوجبه رسم المشهد، كما يبرز صور اللقاء، ويكشف اللثام عن عبقرية شوقي في إعادة إبداع المجنون، وإضافة ما أضافه على جهة عدم التسليم بسلامة التعبير القائم في تعبير المجنون الشعري.

في هذا المشهد صوَّرَ الشاعر المقابلة بينه وبين جبل التوباد حيث كانت منازل بني عامر، ومعهم ليلى العامرية، وهو مشغوف بالجبل؛ لأنه وعاء تجربته في عشق ليلى وحبها، وفيه ذكرياته المستكنة الصامتة.

وبينه وبين المكان أشلاء من التاريخ مشتركة، وبينهما عشق قديم، كيف لا يكون ذلك والجبلُ شاهد على تلك الأيام والصور التي تمر بخاطره، وتحجزه العفة عن البوح بها، ويمنعه حبه ليلى من فضح تلك الساعات الخوالي؟!! وحسبه أن الجبل شاهد أمين على العهد لا يخون السر، ولا يبوح به، ولا يُذكِّر أحدًا به غير صاحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت