فالتدرج من البث، إلى الشكوى، إلى العتاب، يفصح عن سلسلة من الخطوات التي يقطعها المحب في علاقته بالمحبوب، يكون مبتداها البث، وكأنه إشعار للمحبوب بحب صاحبه. يجد فيه أخبار الألم واللوعة، والحرص على دوام القرب والذكر. أما الشكوى فأقوى من البث لأنها ستحمل إلى المحبوب لون الظلم الذي يعانيه المحب الذي لم يجد في حبه ما كان ينتظره من إشباع.. وقد تتجاوز الحبيب إلى الواقع الظالم الذي قهر الحب وحال دونه. أما العتاب فأبلغ من الشكوى لأنه يعين الحبيب ظالمًا مستبدًا، قاطعًا لأواصر الحب. لذلك كان العتاب محكًا للحب والحبيب في آن واحد.
إن الناظم وهو يهندس النص على هذا النحو، يكشف عن منطق داخلي للسرد. منطق تتحكم فيه الخبرة بأحوال المحبين عامة. تسعفه اللغة في إيجاد الألفاظ التي تناسب التدرج من حال إلى حال. وكأن اللغة قد وضعت لكل مدرج من المدارج لفظه المناسب الذي يعبر عنه أصالة. والناظم إذ يخّول اللغة إجراءَ هذا التحول بين الأحوال، يبث إلى القارئ رسالة الحب في تشعباتها المختلفة، فلا يغتر بحال واحدة، ولا يجعل البث كالشكوى، ولا العتاب كاللوم مثلا. بل لكل مفردة من المفردات تفردها الدلالي الذي يعطيها حق الإشارة المتميزة عن غيرها من الدلالات. وكأن الترادف الذي زعموا في اللغة لا يستقيم مع هذا الفهم الدقيق للأحوال التي تتطلب الفصل بينها فصلًا دقيقًا. ومنه كانت مهمة القاضي، وكانت صفاته، وكانت خبرته. خبرة لا تقع على مستوى الحكم الصرف، وإنما تمتد إلى تصريف اللغة تصريفًا حاذقًا يضع الكلمات في موطنها التي هي لها أصالة لا نيابة. وحقيقة ذلك كله في حقيقة الحب الذي يخلط الحدود ويتأبى على النعوت والأوصاف:
ويوقع الإنسان فيما قد يصم
وارتكب المحذور لما أن عصم ... فكم تقي في الغرام قد أثم
إن الغرام لازم التعدي