فهرس الكتاب

الصفحة 17833 من 23694

إن تراكب الصور في تنسيق متدرج من العموم إلى الخصوص، من المعنى المجرد إلى الصورة المحسوسة ينتهي عند الناظم إلى المراد الأولي الذي يسعى إلى تقريره.. وهو تصويب الخطأ على السداد. وكأن شأن الحب دومًا إلى قلب الموازين رأسًا على عقب. لذلك كان الحاصل النهائي، إلباس الغي عين الرشد. فحقيقة الحب إذن أن تتميع الحدود بين الفواصل، فينطلي السحر على المسحور، ويخيل إليه أن الأشياء في صورتها الطبيعية غير سليمة. وأن ماهو فيه هو عين الصواب.. إن الحب تلبيس.. والتلبيس حالة من الخلط تنتاب العقل، يفقد معها القدرة على تمييز الأشياء في سلمها القيمي والعرفي. فيحتل الغي عنده عين المكانة التي هي الرشد. يقول"ابن القيم"في معرض حديثه عن المحبة:"وأما كلام الناس في حدها فكثير.. فقيل هي الميل الدائم بالقلب الهائم. وقيل إيثار المحبوب على جميع المصحوب. وقيل موافقة الحبيب في المشهد والمغيب.. وقيل إيثار مراد المحبوب على مراد المحب" (12) وكأن مراد الناس كامن في دلالة الألفاظ التالية: الميل، الإيثار، الموافقة.. وهي ألفاظ لا تقيم وزنًا للصواب والسداد، وإنما مرادها إرضاء الحبيب في أي شأن من شؤون مسالكه. إنها هنا تدل على تغييب العقل والمنطق والقيمة والعرف.. إنها إلغاء للآخرين، وانفراد بالذات المعشوق انفرادًا يجعل الكون فارغًا إلا من اثنين.. فأين الرشد وأين الغي إذا انتفى الواقع كليةً؟

وابن الذّريح إذ دنا وقاسى

وقيس ذي الرمة أو عباسا ... وتوبة الذي تناسى الباسا

واذكر كثيرًا وبشر هند

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت