فهرس الكتاب

الصفحة 17831 من 23694

إن هذا الصنيع عند الناظم يكتسي طابعًا تنسيقيًا يعود على السرد حين تقوم وظيفة القاضي الذي ينتظر منه الخصمان أن يفصل في قضيتهما بالعدل والعلم. ومن شأن العلم أن يكون مدرعًا بالحدود التي تميز هذا عن ذاك. غير أن تقديم هذه النتيجة في الافتتاحية يشير من طرف خفي إلى استعصاء المسألة عن الحل المرضي للطرفين. سيكون مطلبهما في شخص القاضي مطلبًا واضحًا، فهما يريدان:

هل حاكم من طبعه السماح

يسلك بيننا سبيل القصد

مستيقظا في حكمه بصيرا ... لكن يكون بالهوى خبيرا

وعانق الظبية والغريرا ... قد جاب منه السهل والعسيرا

وهام بالشيب معًا والمرد (11)

وإذا تتبعنا الصفات التي اشترطها الخصمان في القاضي، يتبين لنا مدى الحرص على العلم والخبرة من جهة والسماحة والقصد من جهة أخرى. وكأن المتخاصمين يدركان أن المسألة ليست من باب معرفة الحدود وحدها، وإنما تتعلق بالخبرة والممارسة التي تتيح للقاضي معرفة الأحوال التي تصاحب صنيع الحب، والتي تخرج عادة عن المعقول الذي يذعن له العقل دوما بل سبيلها الخبرة الناشئة عن القرب والبعد، والتجانس والاختلاف في الدلالة. وكأن السائر في فلك الحب يجد هذا المعنى وذاك متقاربين متداخلين، وليس له إلا ما وجدت النفس في قديم عهدها من ... كم ملّك الأحرار للعباد

مرجعية تؤول إليها.

إن التقابل بين الوجهين على النحو الذي رأينا يمكن الافتتاحية من كونها المدخل الضروري للسرد، والتي تضع بين يدي القارئ حقيقة المسألة الموقوفة على الثيمة. وسيكون من أمر القارئ أن يكون على بينة من حقيقة العواطف التي تملي الحكم وترجح الكفة للخصم على غريمه. غير أن الناظم لا يتوقف عند هذا الحد، بل يريد أن يجعل لها وجهًا آخر، تكون به قد استقطبت الموجودات كلها. فيكون هذا الوجه مخصصًا للآثار الناجمة عن صنيع الحب.

2-1-3-آثار الحب، في البرية:

يقول الناظم:

وأوجد الرقة في الجماد

وصوّب الخطا على السداد ... وحكّم الظبي على الأساد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت