فهرس الكتاب

الصفحة 17830 من 23694

إن ما يتصل بالدلالة نستشفه من تعاقب الأوصاف التي تعزى للحب.. إنه عذاب يعذب.. وضر، وضرَب.. كما أنه من جهة أخرى نعمة، ونقمة، وأرب.. بيد أن الوقوف عند مراد اللغة يكشف عن تجاوز وتنافر في آن واحد. وكأن اللغة حين تقيم التجاوز الصوتي بين عذاب ويعذب، تتعمد تمويه الحدود بينهما لدرجة يغيب معها الحد في غموض دلالي يشكل الحيرة الجمالية عند المتلقي. وكأنه لا شأن لألف تضاف في هذه الكلمة، ولا شأن لحرف يحذف من أخرى.. بل الشأن كله في التداخل الحاصل بين الحدود والذي من شأنه أن يمنع التحديد الدقيق بين الوحدات اللغوية، ومن ثم بين الوحدات الإفرادية. ذلك شأن الضر والضرَبَ. فالإضافة هنا هي إضافة فارقة في المعنى، ولكنها في الاتساع اللغوي قد تنتهي إلى المعنى الواحد أبدًا. لأن الضرب قد نفهم منه ألم الجرح وضرباته (10) ، كما نفهم منه العسل الأبيض. عندها سيكون بين ضَرَب ويعذب صلة المذاق الحلو، ويكون بين العذاب والضر صلة الألم. ويؤول المعنى الأول إلى الوصال، والثاني إلى الحرمان.

إن الشأن عينه يقع في الطرف الثاني من المتقابلات، حين نقرأ الحب.. نعمة ونقمة وأرب. فما بين النعمة والنقمة من فاصل صوتي سوى حرفي العين والقاف، فإذا استبدلنا أحدهما بالآخر انقلب اللفظ إلى الضد، وكأن الإشارة المكتنزة فيهما تدل بوضوح على تلاشي الحدود بين المعنيين وتلازمهما تلازمًا طرديًا وقد يفيدنا تقريب الأرب من الضرب لإغلاق الدائرة الدلالية التي تقوم بغيتها على تأكيد عدم القدرة على التحديد والتمييز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت