فهرس الكتاب

الصفحة 17829 من 23694

يبدو المنطق الذي يسود عملية النظم واضحًا من خلال هندسة الدلالة، ذلك أن النظم خلاف الإبداع الشعري الذي يتحكم فيه ما يسمى بالدفق الشعري، الذي يفرغ شحناته على شاكلة الشؤبوب من المطر. قد يكون طويلًا غزيرًا، وقد يكون قصيرًا رذاذًا. لأن المتحكم في الدفق الشعري عاملان: عامل التوتر الداخلي الذي يصاحب عملية القول، والفكرة التي يرفدها ذلك التوتر. فإذا كانت الفكرة ذات امتداد معنوي، اقتضت من الدفق المصاحب لها أن يكون مناسبًا لمساحتها تناسبًا طرديًا، تحدده الفقرة طولًا وقصرًا، بينما يخضع النظم إلى شخوص عقلي واضح، يجعل التحكم في الوحدات خاضعًا للهندسة البنائية المحددة. والمزدوجات تفرض على الناظم مساحة قولية محددة سلفًا، على الفكرة التي تملأها بما لها من معان وألفاظ. فإن كان الناظم قد أفرد الوجه الأول للدلالات الموجبة ذات الوجهة الواحدة، فإنه ترك للوجه الثاني من المرآة عكس التناقض الذي يسكن الثيمة، ويحوّل دلالاتها من الطرف إلى نقيضه. عندها تنكشف داخل الثنائيات جملة من العلاقات لا يقولها الشعر صراحة، وإنما يقولها ضمنيًا عندما يكشف عنها داخل العملية التوليدية نفسها.

إن التقابل الذي يجريه الناظم بين الوجهين يؤدي وظيفة تنسيقية قبل البدء في السرد، وكأن الافتتاحية على هذا النحو تجنح إلى ترتيب المداخل التي سيقوم عليها السرد فيما يلي. فإذا أجرى الناظم الوجه الأول على الإيجاب، وترك الوجه الثاني للتناقض، وتبديد الحدود بين المتناقضات فلأن الناظم سيلقي على عاتق شخصية القاضي البت في مسألة الحب بين متخاصمين، يقفان بين يديه. لذلك كانت النعوت التي خص بها الثيمة هذه المرة تندرج في نسق خاص، يحمل قراءتين على الأقل. قراءة نجريها على مستوى الدلالة المعنوية، وقراءة تتصل بالوحدات الإفرادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت