فعند ذلك تلوح له بروق الحقِّ بالحق، فيطلع على كل شيءٍ، ويرى الله عند كل شيءٍ، فيغيب بالله عن كل شيءٍ ولا شيءَ سواه، فيظن أن الله عينُ كل شيءٍ، وهذه أول المقامات، فإذا ترقى عن هذا المقام وأشرف على مقام أعلى منه، وعضده التأييد الإلهي، رأى أن الأشياء كلها فيضُ وجوده تعالى لا عينُ وجوده، فالناطق حينئذٍ بما ظنَّه في أول مقام، إما محروم ساقط، وإما نادم تائب، وربُّك يفعل ما يشاء. انتهى.
ولقد بالغ ابن المقري في"روضته"فحكم بكفر من شكَّ في كفر طائفة ابن عربي، فحكمه على طائفته بذلك دونه، يشير إلى أنه قصد التنفير عن كتبه، وإن من لم يفهم كلامه ربما وقع في الكفر باعتقاده خلاف المراد، إذ للقوم اصطلاحات أرادوا بها معاني غير المعاني المتعارفة، فمن حمل ألفاظهم على معانيها المتعارفة بين اهل العلم الظّاهر ربما كفر كما قاله الغزالي.
وقال المناوي: وعوَّل جمع على الوقف والتسليم، قائلين: الاعتقاد صبغة، والانتقاد حرْمَان، وإمام هذه الطائفة شيخ الإسلام النووي، فإنه استفتى فكتب: ( تَلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ ولكم مَّا كَسَبْتُمْ - [البقرة: 134] ، وتبعه على ذلك كثيرون، سالكين سبيل السّلامة. وقد حكى العارف زَرُّوق عن شيخه النووي، أنه سئل عنه فقال: اختلف فيه من الكفر إلى القُطبانية، والتسليم واجب، ومن لم يذق ما ذَاقَه القوم ويجاهد مجاهداتهم لا يسعه من الله الإنكار عليهم. انتهى.