قال السيوطي أيضًا في الكتاب المذكور: وقد سأل بعض أكابر العلماء بعض الصوفية في عصره: ما حملكم على أن اصطلحتم على هذه الألفاظ التي يستشنع ظاهرها؟ فقال: غيرة على طريقنا هذا أن يدعيه من لا يحسنه، ويدخل فيه من ليس من أهله. إلى أن قال: وليس من طريق القوم إقراء المريدين كتب التصوف؛ ولا يُؤْخَذُ هذا العلم من الكتب، وما أحسن قول أحد العلماء لرجل قد سأله أن يقرأ عليه"تائية ابن الَفارِض"، فقال له: دع عنك هذا، من جاع جوع القوم، وسهر سهرهم، رأى ما رأوا، ثم قال في آخر هذا التصنيف: إن الشيخ برهان الدِّين البُقاعي قال في"معجمه": حكى لي الشيخ تقي الدِّين أبو بكر بن أبي الوفاء المقدسي الشافعي، قال -وهو أمثل الصوفية في زماننا- قال: كان بعض الأصدقاء يشير عليَّ بقراءة كتب ابن عربي، وبعضٌ يمنع من ذلك، فاستشرت الشيخ يوسف الإمام الصَّفدي في ذلك، فقال: اعلم يا ولدي -وفّقك الله- أن هذا العلم المنسوب إلى ابن عربي ليس بمخترع له، وإنما هو كان ماهرًا فيه. وقد ادعى أهله أنه لا تمكن معرفته إلاَّ بالكشف، فإذا فهم المُريدُ مرماهم فلا فائدة في تفسيره، لأنه إن كان المقرِّر والمقرَّر له مطلعين على ذلك، فالتقرير تحصيل الحاصل. وإن كان المطلع أحدهما، فتقريره لا ينفع الآخر، وإلاّ فهما يخبطان خَبْطَ عشواء. فسبيل العارف عدم البحث عن هذا العلم، وعليه السلوك فيما يوصل إلى الكشوف عن الحقائق، ومتى كشف له عن شيءٍ علمه. ثم قال: استشرت الشيخ زين الدِّين الخافي، بعد أن ذكرت له كلام الشيخ يوسف، فقال: كلام الشيخ يوسف حسن، وأزِيدُكَ أن العبد إذا تخلّق ثم تحقّق ثم جُذِبَ؛ اضمحلت ذاته، وذهبت صفاته، وتخلّص من السوى.