فهرس الكتاب

الصفحة 17802 من 23694

وقال بعضهم: برز منفردًا مؤثرًا للتخِّلي والانعزال عن الناس ما أمكنهُ، حتى إنه لم يكن يجتمع به إلاّ الأفراد، ثم آثر التأليف، فبرزت عنه مؤلّفات لا نهاية له، تدلُّ على سَعَة باعه، وتبحُّره في العلوم الظّاهرة والباطنة، وأنه بلغ مبلغ الاجتهاد في الاختراع والاستنباط، وتأسيس القواعد والمقاصد التي لا يدريها ولا يحيط بها إلاّ من طالعها بحقّها. غير أنه وقع له في بعض تضاعيف تلك الكتب كلمات كثيرة أشكلت ظواهرها، وكانت سببًا لإعراض كثيرين لم يحسنوا الظنَّ به، ولم يقولوا كما قال غيرهم من الجهابذة المحققين، والعلماء العاملين، والأئمة الوارثين: إن ما أوهمته تلك الظواهر ليس هو المراد، وإنما المراد أمور اصطلح عليها متأخرو أهل الطريق غيرة عليها، حتّى لا يدَّعيها الكذّابون، فاصطلحوا على الكناية عنها بتلك الألفاظ الموهمة خلاف المراد، غير مبالين بذلك، لأنه لا يمكن التعبير عنها بغيرها.

قال المناوي: وقد تفرَّق الناس في شأنه شيعًا، وسلكوا في أمره طرائق قِدَدًا [1] فذهبت طائفة إلى أنه زِنديق لا صِدِّيق. وقال قوم: إنه واسطة عقد الأولياء، ورئيس الأصفياء، وصار آخرون إلى اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه.

أقول: منهم الشيخ جلال الدّين السيوطي، قال في مصنَّفه"تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي": والقول الفيصل في ابن العربي اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه، فقد نُقل عنه هو أنه قال: نحن قوم يحرم النظر في كتبنا.

قال السيوطي: وذلك لأن الصوفية تواضُعوا على ألفاظ اصطلحوا عليها، وأرادوا بها في معاني غير المعاني المتعارفة منها، فمن حمل ألفاظهم على معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظاهر كَفَرَ. نصَّ على ذلك الغزَّالي في بعضه كتبه، وقال: إنه شبيه بالمتشابه من القرآن والسُّنَّة، مَنْ حمله على ظاهره كفر.

(1) أي سلكوا في أمره طرائق مقطوعة:"لسان العرب" (قدد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت