فمن مقدمات التحامق التي تصدرت قصائد المديح في الشعر المملوكي ما قاله الشاعر أبو الحسين الجزار في مديح ناظر ثغر الإسكندرية (صدر الدين بن القَرْمِيْسِيْنِيّ) . وقد بدأ هذه القصيدة بمقدمة يصف فيها فقره -بأسلوب المتحامقين- وسوء حاله، من خلال تسعة عشر بيتًا، في حين خص المديح بستة أبيات فحسب، معظمها في تصوير فاقته أيضًا، وشخصية الممدوح فيها باهتة المعالم، فقال في المقدمة:
لي من الشمسِ خِلْعةٌ صفراءُ
ومن الزَّمهريرِ إنْ حدثَ الغَيْـ ... ـمُ ثيابي وطَيْلَساني الهواء
بيتيَ الأرضُ والفضاءُ به سُوْ ... رٌ مُدارٌ وسقفُ بيتي السماء
لو تراني في الشمس والبردُ قد أنْـ ... ـحَلَ جسمي لقلتَ إني هَباء..
ثم يتابع وصف سوء حاله حتى يصل إلى المديح، فيحسن الانتقال إليه من خلال كلمة (الصدر) التي يريد بها الممدوح على سبيل التورية، فيقول (79) : ... رَ غريبٌ وهكذا الغرباءُ
أنتَ يا قلبُ بعد فُرْقَتِكَ الصَّدْ
ليَ مِنْ جاهِه وأخلاقهِ عِنْـ ... ـدَ هجيرِ الخُطوبِ ظِلٌّ وماء
ويبدأ بعض قصائده المدحية الأخرى ببيت واحد يذكر فيه اسم الممدوح، ثم يسهب في وصف فقره وسوء حاله على مذهب التحامق، وكأن الغاية من تلك المدحة ذكر سوء حاله لا المديح. كقوله في قصيدة موجهة إلى أحد الأمراء يذكر فيها حرمانه من الطعام والحلوى ولا سيما الكنافة (80) : ... ـنَى وما زلتَ عارِفًا بالمعاني
أيهذا الأميرُ قد أشْكَلَ المَعْـ
فإذا سَحَّرَ المُسَحِّرُ ليلًا ... ألتقي الأمرَ فيه بالعِصيان
كلما بات وهْو يأمرُ بالأكْـ ... ـلِ أتى الفقرُ مُقْبِلًا فنهاني
ما رأت عينيَ الكُنافةَ إلا ... عند بيّاعِها على الدُّكّان
ولَعَمْري ما عاينتْ مُقْلَتي قَطْـ ... ـرًا سوى دَمْعِها من الحِرمان
ولَكَمْ ليلةٍ شبعتُ من الجُو ... عِ عشاءً إنْ جُزْتُ بالحَلَواني..
كما مرت بنا قصيدته التي وجهها إلى ممدوحه جمال الدين بن مطروح، ومطلعها: ... ـقٌ على المَوْلَى وحُرْمَهْ
يا جمالَ الدينِ لي حَقْـ