ويختم قصيدته هذه بذكر ذكائه الحاد، ويفسر الماء بعد الجهد بالماء كما يقال، فيأتي بالبديهيات؛ فهو لشدة ذكائه يعرف أن بابه الخشبي من صنع النجار، وأن بياض البيض يكون فوق صفاره قبل أن نكسر البيضة، وأن كوز النحاس أقوى من كوز الفخار. وبعدُ أليس حفظه لهذه الأشياء أمرًا عظيمًا على الرغم من تقدمه في السن؟ (70) ... أنّ بابي من صنعةِ النجارِ
بعد ما كنتُ من ذكائيَ أدري
أحْزِرُ البيضَ قبل ما يكسِروه ... أنّ فيه البياضَ فوق الصَّفار
وبعيني نظرتُ كوزَ نحاسٍ ... كان عندي أقوى من الفَخّار
وكثيرٌ مني على شيبِ رأسي ... حِفْظُ هذي الأشياءِ مثل الكبار
3-التحامق بذكر العيوب الخَلْقية والأشكال والأسماء: كأن يسخر الشاعر من اسمه ولقبه، أو من شكله الخارجي، أو من ضعفه الجنسي.. كقول الشاعر ابن دانيال يسخر من لقبه (شمس الدين) ، ويرى أنه شمس، والشمس لابد لها من طلوع، لكن هذا الطلوع لم يكن إلا داء أصاب ضلوعه، يشير إلى سوء حاله وهوانه وقلة حظه (71) : ... لابُدَّ للشمسِ من طُلوعِ
كم قيل لي إذْ دُعِيْتُ شَمسًا
فكان ذاك الطُّلوعُ داءً ... يَرْقَى إلى السَّطح من ضلوعي
وقد سخر الشاعر سِراجُ الدين الوراق من لقبه (سراج) وصناعته (الوراق) ، وقال فيهما شعرًا كثيرًا، حتى قيل له:"لولا لقبُك وصناعتك لذهب نصف شعرك")72). وتدور سخريته من لقبه هذا حول شكل السراج وعمله؛ فقد خرج الشاعر في يوم ماطر من أيام الشتاء، فتبلل جسمه بالمطر، وصار يتقاطر منه كما تتقاطر حبات الماء والزيت من القنديل عندما يشتعل (73) : ... من سُحْبِهِ ما خَلَّفَ النِّيْلا
أقولُ في يومِ شتاءٍ له
خرجتُ من بيتي سراجًا وقد ... عدتُ بحمدِ الله قنْديلا