ويتحامق الشاعر المعروف بابن الصاحب (688هـ-) بذكر عبثه ولهوه ومجونه، فهو يشرب الخمر، ويمضغ الحشيشة، لذا غاب عن وعيه، ولم يستطع الاهتداء إلى باب مدرسته، فمن يدل ذلك الباب عليه يربح الأجر والثواب كما يقول (69) : ... فَرُحْتُ لا أهتدي منَ السُّكْرِ
جمعتُ بين الحشيشِ والخمرِ
يا مَنْ يُريني لبابِ مدرستي ... يَرْبَحُ واللهِ غايةَ الأجر
وحال ابن دانيال لا تختلف كثيرًا عن حال ابن الصاحب هذا؛ فابن دانيال لم يعد قادرًا على تعرُّف باب بيته أيضًا، لكن السبب مختلف؛ فزوجته أكثرت من إطعامه حتى جعلته كالغائب عن الوعي، فهو لا يميز نفسه من غيره، حتى إنه لو صُفع على قفاه لظن أن جاره هو المصفوع، نهاره لشدة بلادته كالليل في التساوي، ومُخُّ الجِمال والحمير خيرٌ من مخه، فقال يخاطب أحد القضاة: ... غائبًا بين سائِرِ الحُضّارِ
بكَ أشكو من زوجةٍ صَيَّرَتْني
غَيَّبَتْني عني بما أطعمتْني ... فأنا الدهرَ مُفْكِرٌ في انتظار
غبتُ حتى لو أنهم صَفعوني ... قلت كُفُّوا باللهِ عن صَفْعِ جاري
فنهاري من البَلادةِ ليلٌ ... في التساوي والليلُ مثلُ النهار
دارَ رأسي عن بابِ داري فبالّلـ ... ـهِ اخْبِروني يا سادتي أين داري
أين مُخُّ الجِمالِ من طَبْعِ مُخّي ... في التساوي وأين مُخُّ الحمار
ثم يتحامق أشد تحامق، ويأتي بالمتناقضات؛ فقد أحس بالبرد الشديد فذهب إلى البحر ليصطلي بالنار، وتجرد للسباحة في السراب لأنه ظنه ماءً صافيًا، وربط رجله لأنه وطئ في الحلم على مسمار، وحاول أن يقلع ضرس أحد زبائنه بعد أن آلمه وألحق الضرر به، لكنه فوجئ أنه قلع ذنوبه وآثامه بدلًا من الضرس، وهو كثير النسيان، حتى إنه ينسى أنه نسي، فلا يخافن صاحبه من إذاعة أسراره: ... ـرِ من البردِ أصْطلي بالنارِ
غَفَرَ اللهُ لي بما رُحْتُ للبَحْـ
وتَجَرَّدْتُ للسباحةِ في الآ ... لِ لِظَني به الزُّلالَ الجاري
ولَكَم قد عَصَبْتُ رجلي برُؤْيا ... أَوْطَأتْني حُلْمًا على مسمار