فهرس الكتاب

الصفحة 17669 من 23694

أو فوقَ قِدْرِ هَريسٍ بِتُّ أحْرُسُها ... مع الكلابِ على دكانِ غَلاّبي

ولم تختلف حال ابن نُباتة عن حال الجزار، فهو مثله يتلقى برد الشتاء وثلوجه بجلده، لأنه لا يمتلك أثوابًا تقيه ذلك البرد، حتى صار لون جسده أزرق، وكأنه سنجاب يغطيه الثلج الأبيض (64) : ... وفي دمشقَ اليومَ بَرْدٌ قد عَتا

يا سيدي عَطْفًا فإني ميّتٌ

زُرْقَةُ جسمي وبياضُ ثَلْجِها ... سِنْجابيَ الأَبْلَقُ أيامَ الشِّتا

ويلجأ أبو الحسين الجزار إلى التحامق من خلال معارضة ساخرة لقصيدتين جاهليتين مشهورتين لامرئ القيس، هما معلقته المشهورة التي مطلعها (65) : ... بِِسقِطِِ اللّوَى بين الدَّخولِ فحَوْمَلِ

قفا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ

وقصيدته الأخرى المشهورة التي مطلعها (66) : ... وهل يَعِمَنْ مَنْ كان في العُصُرِ الخالي

ألا عِمْ صباحًا أيها الطَّلَلُ البالي

وقد مزج الجزار بين هاتين القصيدتين، مستغلًا إشارة امرئ القيس إلى الطلل البالي الذي لا يجيب سائله، والأحبة الراحلين عنه، فحوّل الجزار قصيدته إلى ذكر سوء حاله؛ فهو لا يبكي على أطلال المحبوبة البالية، بل يبكي على فقد أسماله البالية، على الرغم من أنها لم تعد نافعة لشيء، وهو مضطر إلى سكن القَيَاسِر لينعم بالدفء الذي فيها، ولا يعنيه غيرها من أماكن المحبوبة، ويتمنى أن يرتدي ملابس طويلة كأصحاب الفضل والدين ويتباهى بها على أقرانه، أو أن يرتدي ملابس من جوخ تقيه برد الشتاء، فإن حصل على ما يريد فهذا هو المجد الذي يستحقه كما ... ودُرّاعةٍ لي قد عَفا رَسْمُها البالي

يقول (67) :

قِفا نَبْكِ من ذِكْرَى قميصٍ وسِروالِ

وما أنا من يبكي لأسماء إنْ نَأتْ ... ولكنني أبكي على فَقْدِ أسمالي

ولي مِنْ هوَى سُكْنَى القَياسِرِ عن هَوىً ... بِتُوْضِحَ فالمِقْراةِ أعظمُ أشغالي

ولاسيّما والبردُ وافَى بَريدُه ... وحالي على ما اعتدتُ من عُسْرةٍ حالي

تُرَى هل يراني الناسُ في فَرَجِيَّةٍ ... أجُرُّ بها تِيْهًا على الأرض أذيالي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت