فهرس الكتاب

الصفحة 17668 من 23694

تعددت موضوعات التحامق في الشعر المملوكي، واختلط بعضها ببعض اختلاطًا يصعب في كثير من الأحيان فصله، لكن النقد الساخر من المجتمع يسود هذه الموضوعات عمومًا، وإن كان نقدًا غير مباشر في كثير من الأحيان، وكأن الشاعر يحمّل المجتمع والحكام مسؤولية تدني أحواله وأحوال الشعراء الآخرين إلى هذا الحد الذي اضطرهم إلى الشكوى من سوء الحال، واللجوء إلى التحامق والسخرية من النفس سخرية مرة. ويمكن الإشارة إلى أهم هذه الموضوعات:

1-التحامق بذكر أحوال الشاعر الاقتصادية السيئة، من فقر وسوء حال: وهذا كثير في الشعر المملوكي، لأن التكسب كان أهم الغايات التي كان يسعى إليها الشاعر المتحامق، كما أشرنا من قبل. من ذلك قول الشاعر أبي الحسين الجزار يصف فقره الشديد؛ فليس في بيته دِثار يغطيه ويقيه برد الشتاء، وليس لديه ما يدفع عنه حر الصيف، فاضطر إلى أن ينفخ شِدْقَه ليكون مخَدّة، وأن يفترش ظله ليكون حصيرًا (62) :

ولم ألْقَ في بيتي دِثارًا أُعِدُّه

فأنفخُ شِدْقي إنْ أردتُ وِسادةً ... وأفرِشُ ظِلّي إنْ أردتُ حَصِيرا

ويذهب بعيدًا في تصوير فقره تصويرًا مضحكًا، فيكمل الصورة التي بدأها من قبل، ويفصّل القول فيها؛ فهو لشدة فقره لبس بيته، وزرَّر أبوابه عليه حتى استطاع أن يغسل أثوابه التي لا يمتلك غيرها، وهو- لبرودة بيته- مضطر إلى النوم في الزِّبْل ليحصل على الدفء، أو مع الكلاب فوق قِدْر الحلوى أمام دكان الحلواني، في حين كان أصحابه ينعمون بدفء الجمر في بيوتهم العامرة بالخير. ورأى أخيرًا أنه -لسوء حاله- يستحق أن يحرق مع النفايات والخرق البالية في مستوقد الحمام (63) : ... عليّ حتى غسلتُ اليومَ أثوابي

لبستُ بيتي وقد زَرّرْتُ أبوابي

وقد أزالَ الشِّتا ما كان مِنْ حَمَقي ... دَعْني فَمُسْتَوْقَدُ الحمّامِ أولَى بي

أنامُ في الزِّبْلِ كي يَدْفَا به جسدي ... ما بين جمرٍ به ما بين أصحابي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت