5-الترويج للشعر، والرغبة في احتلال مراكز الصدارة في الشعر والمجتمع، بعد أن ظن هؤلاء الشعراء المتحامقون أن تحامقهم سيجلب لهم الشهرة بين الناس. وقد حظي هؤلاء الشعراء المتحامقون بإقبال العامة على أشعارهم، وإعجابهم بها، فزادوا القول فيها. وأن يستجيب الشاعر لرغبات معاصريه- ولا سيما العامة- أمر خطير، لأنه يعني أن ينظم الشاعر كما يريد غيره، لا كما يريد هو. صحيح أن الشاعر لا ينظم لنفسه فحسب، بل ينظم ليقرأ شعره الناس. ولا قيمة للشعر ما لم يقرأه الناس ويعجبوا به، أو ينتقدوه، بل إن انتقاد الشاعر يزيد في شهرته. لكن ذوق الناس- ولا سيما العامة- يحمل كثيرًا من الغثاء والضعف والفساد، مما سيؤثر سلبًا في شاعرية من يكتب لهم. لكن الشعراء المتحامقين لم يهتموا كثيرًا بهذا الأمر، لأنهم كانوا يريدون ترويج شاعريتهم وأشعارهم عند العامة عن طريق التقرب إليها بما تحب. ومما زاد في تقرب الشعراء إلى العامة أن شعر التحامق كان يحمل في طياته كثيرًا من النقد الاجتماعي اللاذع، ويعبر عن هموم العامة وقضاياها الأساسية. وقد اضطر كثير من الشعراء في العصر المملوكي إلى النظم في أغراض ليسوا راضين عنها، استجابة لرغبة العامة، ورغبة في سيرورة أشعارهم؛ فالشاعر القاضي ابن الوردي اضطر إلى أن يتغزل بالغلمان، على الرغم من تقواه وورعه ليروج شعره. وقد اعترف بذلك بوضوح فقال (61) :
أستغفرُ الله مِنْ شعرٍ تَقَدَّمَ لي
لكن ذلك قولٌ ليس يَتْبَعُه ... خَنًا وحاشايَ من أفعالِ أشرار
فلماذا لا ينظم الشعراء الآخرون في التحامق، راضين أو مكرهين، ما دام هذا اللون من النظم يلقى إقبالًا من العامة ورواجًا عندها؟ ... لبردٍ ولا شيءٌ يَرُدُّ هَجِيرا
موضوعات شعر التحامق: