فهرس الكتاب

الصفحة 17664 من 23694

3-التنفيس عن النفس المحبطة، لإقامة توازن عقلي ونفسي معًا: فقد أحس الشعراء في العصر المملوكي أنهم مهزومون من الداخل، لأنهم لم يستطيعوا أن يحققوا رغباتهم في الواقع، بل كانت العوائق المختلفة أكبر من تلك الرغبات، وبذلك صار التحامق تسرية عن تلك النفوس المهزومة التي لم تستطع الوصول إلى ما تريد، ولم تستطع تغيير الواقع المر، فلجأت إلى السخرية لتقيم ذلك التوازن المنشود الذي حرمت منه في الواقع. وقد تنبه الدَّلْجيُّ (838هـ) لهذا، فألف كتابًا سماه (الفلاكَةُ والمَفْلوكون) ، تحدث فيه عن الفقراء من أهل العلم والأدب والفضل، ممن عاشوا محرومين من كل شيء على الرغم من فضلهم، وأشار إلى أهمية السخرية في التغلب على النفس المحبطة المقهورة التي لم يعد بيدها حيلة لدفع المكاره عنها، فقال:"اعلم أن الفَلاكة إذا استولت على شخص، وسلبته القدرة على الأفعال انتقل إلى الاسترواح والتنفس بالأقوال، وذلك لما أن في الكلام راحةً وفرجًا وتنقيصًا من ألم الباطن" (57) . وفي كتب التاريخ حادثة مهمة تشير إلى سلوك ينطبق على هذا الفهم؛ ففي سنة 853هـ ضرب وباء مدمر مصر، فقتل خلقًا بالآلاف، ولكن على الرغم من ذلك شوهد الناس في شوارع القاهرة"وهم يضحكون ويهزلون، على حين كان الوباء يحصد منهم في اليوم الواحد عشرة آلاف نفس على الأقل" (58) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت