فهرس الكتاب

الصفحة 17660 من 23694

2-نقد المجتمع بقصد الإصلاح: رأى كثير من الشعراء مفاسد عصرهم المختلفة ماثلة للعيان، شديدة الضرر بالناس، لكن الحكام لم يحركوا- في كثير من الأحيان- ساكنًا لإصلاحها، أو للحد من انتشارها، فعبر هؤلاء الشعراء- من خلال التحامق- عن رفضهم لهذه المفاسد، وأشاروا إليها مرارًا، بالتلميح حينًا، وبالتصريح حينًا آخر، لعل أحدًا يسمع شكواهم وانتقادهم، فيبادر إلى إصلاح ما فسد. وهذا التوجه مهم للغاية، لأنه يربط الشعر بالمجتمع وبقضاياه التي أغفل المؤرخون كثيرًا منها، وأعرض كثير من الشعراء القدامى عنها، لانشغالهم بموضوعات الشعر الرسمي، ولا سيما المديح، فلم تظهر صورة المجتمع وأحوال الناس في دواوينهم، بل إننا في كثير من الأحيان لا نري صورة الشاعر نفسه فيها، فإذا أشار إليها فمن خلال حديثه عن أشواقه ومواجيده، مما يدخل في الشعر المصنوع الذي لا علاقة له بحقيقة مشاعر قائله في كثير من الأحيان. ... وبَراواتُ غُزِّ هذا النادي

ولما كان الفساد ضاربًا أطنابه في إدارات البلاد المختلفة في العصر المملوكي كان لا بد أن تظهر نتائجه في الأفراد والجماعات؛ فقد اعتنى المماليك بأفراد جنسهم، ولا سيما المقاتلين، وقلّ اعتناؤهم بالجنود العرب، أو ممن ليسوا من جنسهم، فقصّروا في العناية بهم وبرواتبهم وأسلحتهم وخيولهم، بل إنهم أركبوهم البراذين- غير العربي من الخيول والبغال- بدلًا من الخيول الكريمة التي كان ركوبها محصورًا في فئة المماليك.

وقد صور ابن النقيب- وهو أحد هؤلاء الجنود العرب- حاله وحال رفاقه، من حيث الفقر والمرض وسوء السلاح والمركوب. وقد بدأ قصيدته بكلام يسخر فيه من نفسه ومن الجنود رفاقه سخرية مرة، يشير فيها إلى تدني منزلتهم في الجيش وفي نظر حكامهم، وفي المجتمع كله؛ فهم بقايا جنود، وبقايا أشياء، بل هم حكاية وخيال، ووسخ وزبالة:

نحنُ إلا قُطاعَةُ الأجنادِ

نحن إلا حكايةٌ وخيالٌ ... وحديثٌ لحاضرٍ ولِبادي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت