وتزهد بعض الناس ولبسوا الصوف الخشن والملابس البالية اضطرارًا لا اختيارًا بسبب الفقر الشديد، وكأنهم من فقراء الصوفية، لكن شيخهم لم يكن فقيرًا مثلهم، بل كان القائد المغولي (غازان) الذي دخل دمشق فاتحًا عام 698هـ، فزاد بظلمه في فقر الناس وتشردهم (43) : ... لا ولا الخُلْقانَ مجّانا
ما لبستُ الصوفَ من عَبَثٍ
إنه زِيٌّ لمن هو مِنْ ... فقراءِ الشيخِ غازانا
ودعا عدد من الشعراء إلى العمل، وإلى ترك قول الشعر. صحيح أن قول الشعر شيء هيّن يريح صاحبه من بذل الجهد، لكنه لا يجلب له مع تلك الراحة إلا الذل والهوان (44) : ... واكْدَحْ فَنَفْسُ المرءِ كَدّاحَهْ
دَعِ الهُوَيْنَى وانْتَصِبْ واكتسِبْ
وكُنْ عنِ الراحةِ في مَعْزِلٍ ... فالصَّفْعُ موجودٌ مع الراحهْ
فُزْتُ بالجهلِ مثلما فازَ بالحِلْمِ وفِعْلِ الصَّنائِعِ البانياسِيْ
ومنهم من ذم العقل ودعا إلى التحامق والجهل، ففيهما الرزق والفوز، كقول أبي الحسين الجزار (45) : ... وصَبَرْنا والصبرُ مُرُّ المذاقِ
ورأى ابن دانيال (710هـ) أن العقل سبب كل نقص أصاب صاحبه، وأنه قيد في رقبته، وكأن الرزق للحمقى والجهلة، وليس للعقلاء نصيب فيه، فعاش حياته مستخفًا بالعقل، ساخرًا من نفسه ومن كل شيء حوله (46) :
قد عَقَلْنا والعقلُ أيُّ وِثاقِ
كلُّ مَنْ كان فاضلًا كان مثلي ... فاضلًا عند قسمةِ الأرزاقِ
ودعا إلى تفضيل صحبة الحيوانات- ولا سيما الكلاب- على صحبة الناس، لأنها وفية ولا تغدر بصاحبها، وتدافع عنه وقت الشدة، وتحرسه من أعدائه إن نام، على عكس بعض الناس الذين صاروا غادرين، لا يؤمن جانبهم (47) : ... ومَنْ لي بأمثالِها في صِحابي
تعلمتُ أخلاقَ هذي الكلابِ
وفاءٌ وصبرٌ وحِفْظُ الذِّمامِ ... وذَبٌّ عن الخيلِ عند الضِّرابِ
وتَسْهَرُ إنْ نِمْتُ في قَفْرَةِ ... وتَحْرُسُني من ضواري الذئابِ
كلابٌ ولكنها فُضِّلَتْ ... على بعضِ قومٍ مَشَوا بالثيابِ