ولكن لماذا كان الشاعر العاقل يتحامق؟ وما الهدف من وراء إلغاء العقل واختيار الحماقة؟ هنالك عدة أهداف يمكن استخراجها من الشعر الكثير الذي خلفه أولئك الشعراء، أهمها: ... قٌ على المَوْلَى وحُرْمَهْ
1-التكسب: أشار الشاعر أبو العِجْل- كما مر بنا- إلى هذا الهدف بوضوح، فقد صَيَّر تحامقُه له بغالًا وغلمة بعد أن كان لا يملك شيئًا كما يقول. وقد رأى كثير من الشعراء في العصر المملوكي أن الزمان- الذي اختلّت فيه القيم والمفاهيم للأسباب التي أشرنا إليها- ليس زمان العقلاء، فكل ما فيه يناقض العقل، أو على أقل تقدير لا يخضع لمقاييس العقل وأحكامه، ولو كان يخضع للعقل لما نالهم منه ما نالهم من فقر وإهمال، ورأوا أيضًا أن السخرية من النفس تجعل الآخرين يضحكون، ولا سيما الممدوحين. وهذا الضحك فاتحة الرضا والقبول. وماذا يريد الشاعر المتكسب بشعره أكثر من أن يرضى الممدوح عنه ويثيبه على شعره، مهما كانت طبيعة هذا الشعر، وصورة صاحبه في نظر الممدوح؟ وهذا الفهم خطير جدًا، لأنه يجعل العلاقة بين الشاعر والممدوح علاقة مادية تقوم على التذلل والخضوع والتبعية، وتلغي شخصية الشاعر لتحل محلها شخصية الممدوح برغباتها المختلفة. وليس الأمر كذلك، لكن الشعراء المتحامقين هانت أنفسهم عليهم في سبيل الوصول إلى العطاء الذي سيؤمن لهم ولأولادهم ما يحتاجون إليه في يومهم من قوت ولباس وغير ذلك، ورأوا أنه ليس هنالك فرق بين أسلوب وآخر ما دامت النتيجة واحدة في النهاية وهي العطاء. وفي الشعر العربي القديم- ولا سيما العباسي- نماذج شعرية تعتمد على التحامق، استفاد أصحابها- الذين سبق ذكرهم- أموالًا طائلة، فلماذا لا يحاكيهم الشعراء في العصر المملوكي، ويجعلونهم قدوتهم الحسنة؟