فهرس الكتاب

الصفحة 17654 من 23694

وقد نتج عن كل ما تقدم ذكره من أسباب بروز التحامق في الشعر العربي في العصر المملوكي اختلالٌ كبير في القيم والمفاهيم، فلم تعد قيم الشرف والعفة والصدق والخلق الكريم.. قادرة على الصمود في وجه مخلفات الظلم والاستبداد كالفقر والتشرد والمرض والخوف.. ومن تمسك بتلك القيم النبيلة عاش حياة لا تختلف كثيرًا عن حياة الأموات والمضطهدين، لأن ميزان المجتمع أصابه اختلال كبير، وصارت كفته لا ترجح إلا لذوي المال والسلطان، حتى لو أخطؤوا. كما حصل اختلاف واسع في السلوك ووجهات النظر بين الناس ولا سيما الشعراء تجاه تردي الأحوال تلك؛ فمنهم من كره حياته ما دامت على هذه الوتيرة من الفقر والإهمال وسوء الحال، على الرغم من علو همته وذيوع فضله، وتمنى أن يكون جاهلًا، لأن تعقله لم يجلب له إلا التعب والهم، كما يقول قاضي القضاة الشافعية بمصر ابن دَقِيق العِيد (محمد بن علي 702هـ) (40) :

سَحابُ فكري لا يزال هامِيًا

قد أتعبتْني هِمَّتي وفِطْنَتي ... فليتني كنت مَهينًا جاهلا

واستصوب آخرون خصالًا أخلاقية ذميمة كالنفاق والرياء، بدلًا من الصدق والاستقامة. بل دافعوا عن تلك الخصال، والتمسوا لها الحجج، ورأوا أنها خصال لا يعاب عليها المرء في زمان السوء، بل لا بد منها فيه. وبذا انعكست القيم، وصار الخُلُق الممدوح مذمومًا، والمذموم ممدوحًا، كما يقول الشاعر محمد بن رضوان المعروف بالشريف الناسخ (671هـ) يدافع عن النفاق (41) : ... ما في التَّلَوُّنِ ما يُعابُ

يا مَنْ يَعيبُ تَلَوُّني

إنّ السماءَ إذا تَلَوْ ... وَنَ وجهُها رُجِيَ السَّحابُ

ولزم آخرون بيوتهم بعد أن اعتزلوا الناس، لأنهم لم يروا فيهم إلا النفاق والكذب، فلعل الله يُحدث بعد ذلك أمرًا، كما يقول محمد بن علي الحلبي (660هـ) (42) : ... نفاقًا ومَيْنًا ما تَعَدَّيْتُ منزلي

ولما رأيتُ الناسَ أصبح وُدُّهُمْ

ونَزَّهْتُ نفسي ثم قلتُ لها اصبِري ... ألا كلُّ شيءٍ لا مَحالةَ يَنجلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت