واعْتَضْتُ من فقري ومن فاقَتي ... عنِ التِذاذِ الطُّعْمِ بالشَّمِّ
4-إقبال العامة على هذا اللون من النظم، وتشجيعهم لأصحابه: لما فيه من طرافة، ولأنهم رأوا فيه صدىً لأحوالهم، وتنفيسًا عما يعتلج في صدورهم. ولولا هذا الإقبال وذاك التشجيع لما أكثر الشعراء من النظم في التحامق، حتى وصل إلينا منه هذا القدر الكبير، عدا ما ضاع منه في الطريق. لكن هذا الإقبال يشير أيضًا إلى تردٍّ في الذوق العام، وانقلاب كبير في المفاهيم والقيم، وتحَوُّلٍ في التعبير عن الغضب من الفعل إلى القول، ومن الجد إلى الهزل. ... وليلُ همّي لا أراه راحلا
5-اعتقاد الشعراء أنهم يجددون: بعد أن وَقَر في أذهانهم أن الشعراء القدامى سبقوهم إلى شريف المعنى ورائق اللفظ، فلا بأس أن يقولوا الشعر في موضوعات لم يتكلم الشعراء القدامى فيها كثيرًا. ومن المعلوم أن عقدة تفوق القديم وحرمته وتقديسه أشياء ظلت قوية وراسخة في أذهان المتأخرين في كل عصر، ولا سيما العصر المملوكي، فهم يسعون إلى مجاراة القديم، ويرغبون في التفوق عليه في آنٍ، على الرغم من احترامهم له، ليثبتوا لأنفسهم ولغيرهم أنهم جديرون بالتقدم والفضل، وأن القدامى ليسوا أفضل منهم.
6-ميل الشاعر نفسه إلى الدعابة والسخرية من كل شيء حتى من نفسه: وهذه الخصلة استعداد فطري عند بعض الناس، وطبعٌ فيهم دون غيرهم، كما نجد خلافها في الآخرين أيضًا. وهذا الاستعداد يجعل صاحبه يسخر من كل شيء يحيط به، فإن لم يجد ما يسخر منه سخر من نفسه. ويبدو أن هذا الميل إلى السخرية كان واضحًا، وما يزال، عند الشعب المصري- لأسباب كثيرة خارجة عن إطار هذا البحث- أكثر من غيره من الشعوب، فمعظم الشعراء المتحامقين في العصر المملوكي كان من مصر.