فهرس الكتاب

الصفحة 17652 من 23694

ونتيجة لكل ذلك اتجه كثير من الشعراء إلى الحرف اليدوية ليكسبوا منها ما يقيم أودهم، ويصون ماء وجوههم من الذل والهوان، فبرزت طائفة كبيرة من الشعراء عرفوا بأصحاب الحِرَف، كان منهم الشاعر أبو الحسين (الجزّار) ، والشاعر سراج الدين (الورّاق) ، والشاعر نصير الدين (الحمّامي) ، والشاعر ابن دانيال (الكحّال) .. وقد امتدح هؤلاء الشعراء حرفهم كثيرًا، وبينوا فضلها عليهم؛ فهي التي صانت وجوههم من التذلل للممدوحين اللئام، وصارت هذه الحرف أفضل عندهم من حرفة الشعر، كما يقول أبو الحسين الجزار ممتدحًا حرفته التي جعلته صاحب فضل على الكلاب. بعد أن كان يتذلل بشعره للممدوحين الذين صاروا في نظره كالكلاب (37) : ... فهْيَ أذكَى من عَنْبَرِ الآدابِ

لا تَعِبْني بصنعةِ القَصَّابِ

كان فضلي على الكلابِ فَمُذْ صِرْ ... تُ أديبًا رَجَوْتُ فَضْلَ الكلابِ

لكن الفساد الاقتصادي ألحق البوار بكثير من الحرف، فقلّ ما بأيدي الناس من مال، مما أثر سلبًا في نشاط تلك الحرف، فهجرها أصحابها، وتحولوا عنها إلى السرقة واللصوصية، ومن كابر منهم وبقي محافظًا على حرفته كان عرضة للفقر الشديد، وللسرقة من الآخرين. وقد صور أبو الحسين الجزار متاعبه في حرفته التي امتدحها من قبل، وبيّن كسادها؛ فهو قصاب لكنه غير قادر على أكل اللحم الذي يبيعه للناس، وليس له منه إلا توسيخ الثياب والرائحة الكريهة، وكأنه يشبه كلبه في ذلك (38) : ... أصبحتُ منها مُعَذَّبَ القلبِ

حَسْبي حِرافًا بحِرْفتي حَسْبي

مُوَسَّخَ الثوبِ والصحيفةِ مِنْ ... طُوْلِ اكتسابي ذنبًا بلا كَسْبِ

أعملُ في اللحمِ للعِشاءِ ولا ... أنالُ منه العَشا فما ذَنبي

خَلا فؤادي ولي فمٌ وسِخٌ ... كأنني في جِزارتي كلبي

لذا فليس له من نصيب الجزارة إلا الاسم، فاضطر إلى شم اللحم بدلًا من تذوقه كما يقول (39) : ... أعرفُ ما رائحةُ اللحمِ

أصبحتُ لحامًا وفي البيتِ لا

وليس حظي منه إلا اسمه ... قَنِعْتُ من ذلك بالاسمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت