فهرس الكتاب

الصفحة 17651 من 23694

تَقَدَّمَ القاضي لنُوّابِهِ

وَوَفَّرَ الجزارَ مِنْ بينهم ... فاعْجَبْ لِلُطْفِ التَّيْسِ بالجازِرِ

وقد صور الشاعر ابن نُباتَة المصري (محمد بن محمد 768هـ) حال الشعراء في زمانه من خلال الكلام على معاناته، فهو يسعى بين أبواب الممدوحين، حتى خفَّ طحاله لطول السعي، ولكن بلا طائل. فما نفع الغزل والعشق والمديح، والشاعر جائع بلا عمل أو كسب؟ (33) ... قفْ واستمعْ عن سيرةِ البطّالِ

يا سائلي بدمشقَ عن أحوالي

ودَعِ استماعَ تَغَزُّلي وتَعَشُّقي ... ماذا زمانُ العِشْقِ والأغْزالِ

طولُ النهارِ لبابِ ذا من بابِ ذا ... أسعى لعَمْرُ أبيكَ سَعْيَ ظِلالِ

لا حَظٌّ لي في ذاكَ إلا أنه ... قد خَفَّ من طولِ المسيرِ طِحالي

ومما ساعد على تدني منزلة الشعر كثرةُ الشعراء، وجريان الشعر على كل لسان، مما قلل عدد الممدوحين من غير الشعراء. فمن سيمدح الشاعر؟ وإنه لأمر مضحك مُبْكٍ في آنٍ أنْ يُثاب الشاعر على مديحه بمديح بدل العطاء، فترد بضاعته إليه، كما حصل للشاعر سراج الدين الورّاق (695هـ) (34) : ... وجازَى بالمُحالِ على المحالِ

وعَوّضني على شعري بشعرٍ

ولستُ ألومُه فيما أتاه ... لعادته قديمًا بالبِدالِ

ومن ها هنا لم يعد الشعر من الأشياء التي يفتخر المرء بها، بعد أن كانت القبائل العربية في الماضي تأتي إلى القبيلة التي نبغ فيها شاعر لتهنئها بشاعرها. وقد عيَّرَ الشاعر مجاهد بن سليمان الخياط (672هـ) الشاعرَ الجزار بالشعر، ونهاه عن الافتخار به، قائلًا له (35) : ... ما الفخرُ بالشعرِ فخرُ

أبا الحسينِ تَأدَّبْ

ومن الطبيعي- والحال هذه- أن يُعْرِض الناس عن قول الشعر، وأن يوصي المتقدمُ المتأخرَ، والوالدُ الولدَ بتركه، لأنه يريق ماء وجه صاحبه على أبواب الممدوحين، ويحط من قدره بلا طائل، فلولا علم الأب (ابن الوردي) لحط الشعر من قدره كما يقول (36) : ... فإنه بالعلماءِ يُزْري

بُنَيَّ إياكَ ونظمَ الشِّعْرِ

واللهِ لولا شُهرتي وذِكري ... بالعلمِ كان الشعرُ حَطَّ قَدْري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت