فهرس الكتاب

الصفحة 17650 من 23694

3-تدني منزلة الشعر والشعراء: فقد ابتعد كثير من الحكام المماليك عن الشعراء لانشغالهم بأمور الدفاع عن البلاد ضد الصليبيين والمغول، أو لانصرافهم إلى القضاء على الفتن السياسية التي كانت تحدث في قصورهم، وهي فتن كان يقودها أمراء ووزراء طامعون في الحكم، ضربوا صفحًا عن مصالح البلاد والعباد، منصرفين إلى الدسائس والمؤامرات، أو لعُجْمة كثير من الحكام المماليك، ولا سيما الذين جُلبوا إلى السلطنة كبارًا كالسلطان قلاوُوْن مثلًا، فقد كان"قليل الكلام بالعربي" (29) ، وكان الأمير قَجْماس- وهو أمير مئة، ومُقَدَّم ألف بالديار المصرية-"لا يُحْسِن يتلفظ بالشهادتين، فكان مباشرو إقطاعه يدخلون إليه مع أرباب وظائفه فيجدون الفقيه يعلمه الشهادة وقراءة الفاتحة، وهو كالتيس بين يدي الفقيه" (30) . وقد وجد أمثال قلاوون اللغة العربية صعبة عليهم، فأقبلوا على الشعراء العاميين، لقرب لغتهم من أفهامهم. ومن هؤلاء السلاطين من كان يأنف الاجتماع بالشعراء، كالظاهر بَيْبرْس مثلًا؛ إذ رفض أن يجتمع بالشاعر البُوصِيْرِيّ (محمد بن سعيد 695هـ) قائلًا:"لو كنت أجتمع بشاعر لاجتمعت به" (31) ، على الرغم من شهرة البوصيري، ومن امتداحه لبيبرس نفسه بقصيدة طويلة ذكر فيها ورعه وحرصه على الدين من خلال تعقبه لشاربي الخمر.

وهنالك خبر مهم يدل على تدني منزلة الشعر والشعراء في العصر المملوكي تدنيًا خطيرًا؛ إذ كان الشعراء يأخذون أعطياتهم من مال الصدقات، وكأن الشعر وجهٌ من وجوه البِرّ، وكأن الشاعر متسول أو ممّن يستحق الصدقة! وقد أُوكل قاضي مصر بذلك، فكان يوقف الصدقات أو يرسلها على هواه؛ فقد أمر بقطع أرزاق الشعراء في إحدى السنوات، واستثنى من بينهم الشاعر أبا الحسين الجزار (679هـ) ، فما كان من الشاعر ابن تُوْلُوَا المصري (685هـ) إلا أن هجاه وهجا أبا الحسين الجزار، جاعلًا من القاضي تيسًا. ومن المعلوم أن التيس يخاف الجزار (32) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت