فهرس الكتاب

الصفحة 17648 من 23694

وامتد سيل الرشا حتى وصل القضاء، وكثر تعيين القضاة عن طريقها، وتسابق بعض القضاة في دفع الرشا؛ ففي سنة 911هـ تولى القاضي جمال الدين القَلْقَشَنْدِي قضاء الشافعية بمصر"وكان قد سعى فيها بثلاثة آلاف دينار، ثم سعى عليه ابن النقيب بخمسة آلاف دينار!" (22) . وقد تحدث قاضٍ شاعر هو ابن الوَرْدي (عمر بن مظفّر 749هـ) عن فساد القضاء في زمانه من خلال عدد من القضاة، سمى أحدهم، وأسهب في الحديث عنه- في مقامة طويلة- وعن وسائله غير المشروعة في الوصول إلى منصبه، وفي ظلمه للناس (23) . وهذا يعني أن على صاحب المنصب أن يجمع ما يستطيع من مال ليسترد ما كان قد دفعه من رشوة لتولي ذلك المنصب، أو ليضمن بقاءه فيه، لأن الطامعين كثيرون، وقد يأتي من يدفع أكثر منه فيأخذ منه منصبه (24) . ومن ها هنا كثر تغيير الولاة والقضاة والحكام والوزراء كثرة لافتة للنظر، وبعضهم لم يُمضِ إلا شهرًا في ولايته أو يومًا واحدًا (25) ، مما أدى إلى انتشار الظلم وضياع الحق والعدل. صحيح أن عددًا من القضاة ظل متمسكًا بدينه وأخلاقه، فلم يسع خلف القضاء لفساد الحكام، وخشيته من ألا يقيم حدود الله، ففضل لزوم بيته على أن يخسر دينه، لكن هؤلاء كانوا قلة، ولقوا من بعض الحكام الفاسدين أسوأ معاملة؛ فقد"ضُرب جماعةٌ من السَّلَف على أن يَلُوا القضاء، فأبَوْا، وسُمِّرَ بابُ عليّ بن خَيْران مدة. وما ذاك إلا لأنهم يخشون ألا يقيموا فيه الحق لفساد الزمان" (26) ، ومنهم من أودِع السجن لجهره بكلمة الحق أمام بعض الحكام الفاسدين (27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت