وقد تضرر الفلاحون كثيرًا من سوء إدارة البلاد، ومن كثرة الكوارث الطبيعية- من فيضانات وزلازل وقلة أمطار..- وما نتج عنها من أوبئة وغلاء ومجاعات، فهجروا الريف إلى المدن، لعلهم يجدون ما يسد الرمق، فأهملت الأرض، وقلَّت الأيدي العاملة في الريف، وزاد عدد العاطلين عن العمل في المدن، فكثر التسول والتشرد واللصوصية. وهجر آخرون البلاد إلى غيرها لشدة فقرهم، وللبحث عن مصدر جديد للرزق. وقد وصف هذا الوضع أبو الطيب السَّبْتي، وهو أديب فاضل، ترك القاهرة بعد الغلاء الشديد الذي حل بها عام 695هـ قائلًا:"لو وجدتُ بالقاهرة رغيفين ما خرجت منها" (16) ، في حين تحول كثير من هؤلاء المشردين والفلاحين إلى السرقة وقطع الطريق، مما دعا الحكومة"إلى المناداة بين حين وآخر بخروج أهل الريف من القاهرة، وعودتهم إلى بلادهم. ولكن لم يُعْمَلْ بمثل هذه الأوامر" (17) . وفي هذه المجاعات أكل الناس كل شيء، مما يؤكل ومما لا يؤكل؛ فأكلوا الميتة والكلاب والقطط، بل إن بعضهم أكل بعضًا!! (18) مما جعل عدد سكان مصر في العصر المملوكي في تناقص مستمر،".. من ثمانية ملايين إلى قرابة ثلاثة ملايين" (19) في نهاية حكم المماليك. ... بِقَطْعِ رزقِ البَرِّ والفاجِرِ
وانتشر الفساد في مختلف إدارات البلاد، وكثرت الرُّشا، وصار كثير من الوظائف الكبيرة والصغيرة مرهونًا بما يدفعه المرء من رُشًا في سبيلها؛ ففي سنة 746هـ"اشتهر أخذ البراطيل للسلطان، فقصده كل أحد لطلب الإقطاعات والرزق والرواتب" (20) . وقد وقفت الدولة موقفًا غريبًا من هذه الرشا، فلم تمنعها، بل عملت على تنظيمها، فأحدثت ديوانًا لها سمته"ديوان البَذْل أي ديوان البراطيل" (21) ، مهمته تنظيم الرشوة وتوصيلها إلى أصحابها؛ إذ يأتي الطامع في المنصب إلى هذا الديوان، ويعرض مسألته، وينتظر ليعلم مبلغ المال الذي يجب أن يدفعه لقاء ذلك المنصب.