فهرس الكتاب

الصفحة 17635 من 23694

وربما يكون من وراء بعض ما سمّاه ابن الأثير وغيره"معاظلة"بعضُ غايات خفيّة يصعب اكتشافها بيسر، ولعلّ ابن الأثير أحسّ بشيء من ذلك حين ذكر في سياق حديثه عن المعاظلة أن الفرزدق كان يُكثِر من التعاظل حتى"كأنه يقصد ذلك ويتعمّده" [1] . وليس ذلك غريبًا عليه وهو الذي وجّه إلى النحاة قولته الشهيرة:"عليّ أن أقول، وعليكم أن تحتجوا" [2] . ونحن نحسب أن ملاحظة ابن الأثير يمكن أن تُنَمَّى ويُبْحَث عن السرّ من وراء هذه القصدية والتعمّد، وهو باب من الدرس إن كان فات ابنَ الأثير خوضُه فإنه لم يزل مفتوحًا للدارسين. وقد حاول إبراهيم أنيس مثلًا أن يجد تسويغًا ما لأحد أشهر أبيات الفرزدق التي قيل إنها واقعة في التعقيد والمعاظلة وهو قوله:

وما مثله في الناس إلا مملَّكًا

قال:"ألستَ ترى معي أن المعاني قد تزاحمت في ذهن الفرزدق، فتزاحمت الألفاظ واختلط بعضها ببعض، بينما الشاعر في شغل عنها، وقد تملكته العاطفة وسيطرت عليه الفكرة فلم يعبأ بنظام الكلمات على النحو المألوف" [3] . ... جزاءَ الكلاب العاويات وقد فعل

وثمة بعد ذلك إشارة تبدو لنا ثمينة في التنبيه على ما تمتاز به لغة الشعر من النثر في أمر التركيب، فقد ذكر بهاء الدين السبكي (ت 763هـ) أن بعض ما قد يُحكَم عليه بالضعف في الكلام النثريّ قد يختلف حاله إذا ما وُجد في الشعر فيغدو قويًّا وفصيحًا. وقد وردت هذه الإشارة من السبكي في سياق نقاشه للخطيب القزويني (ت 739هـ) في تضعيفه عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وهنا ينقل السبكي اختلاف العلماء فيه يقول:"وقد اختُلِف في جواز ذلك؛ فالجمهور على منعه، وجوّزه أبو الحسن والطوال وابن جني وابن مالك مستدلين بقوله:"

جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم

(1) المثل السائر 2/229.

(2) ابن قتيبة: الشعر والشعراء، تح: أحمد محمد شاكر، دار المعارف بمصر 1966، ج1، ص89.

(3) من أسرار اللغة، ص347.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت