ويمكن أن يلحظ المرء بعد ذلك أن المباحث البلاغية الخاصة بهذا المستوى التركيبي قد تأصلت في التراث البلاغيّ بعد عبد القاهر، وصارت لها قواعد وأسس يمكن بها ضبط النصوص وروزها. لكنّ المرء يلحظ في الوقت نفسه أن هذا التراث قد نظر بعين الشك والريبة إلى ما يكون من تصرف ضمن ما سمّي الرتبة المحفوظة، ومن هذا القبيل أنْ عدّ ابن الأثير كلَّ تقديم في غير محلّه"معاظلةً"من مثل تقديم الصفة أو ما يتعلق بها على الموصوف، وتقديم الصلة على الموصول وما سوى ذلك. مثال ذلك قول الشاعر:
فَقَدْ والشكّ بيّن لي عناء
فإنه قدّم قوله:"بوشك فراقهم"وهو معمول"يصيح"و"يصيح"صفة لصرد؛ قدَّمه على"صرد"، وذلك قبيح [1] . ... كأنّ قَفْرًا رسومُها قلمَا
ومن ذلك أيضًا تقديم خبر"كأن"عليها في قوله:
فأصبحت بعد خط بهجتها
والأصل في هذا البيت"فأصبحت بعد بهجتها قفرًا، كأن قلمًا خطَّ رسومها". ... أبو أمه حيّ أبوه يقاربه
(1) المثل السائر، تح: أحمد الحوفي وبدوي طبانة، مكتبة النهضة مصر القاهرة 1959-1962، ج2 ص227.