ويرى عبد القاهر أن لكل نظم، سواء كان هذا النظم في شعر أم في نثر، خاصياتِه المعنوية التي لا يمكن أن يُترجمها أو يقوم مقامها نظم آخر، وهكذا يؤكد أنه"لا سبيل إلى أن تجيء إلى معنى بيت من الشعر، أو فصل من النثر، فتؤديه بعينه وعلى خاصيته وصفته بعبارة أخرى، حتى يكون المفهوم من هذه هو المفهوم من تلك، لا يخالفه في صفة ولا وجه ولا أمر من الأمور. ولا يغرنّك قول الناس:"قد أتى بالمعنى بعينه، وأخذ معنى كلامه فأدّاه على وجهه"، فإنه تسامح منهم، والمراد أنه أدى الغرض، فأمّا أن يؤدي المعنى بعينه على الوجه الذي يكون عليه في كلام الأول حتى لا تَعقِلَ ههنا إلا ما عقلته هناك، وحتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين المشتبهَِتين في عينك كالسوارين والشنفين، ففي غاية الإحالة، وظنٌّ يفضي بصاحبه إلى جهالة عظيمة" [1] .
ويلجأ عبد القاهر في بيان جماليات النظم أحيانًا إلى تفكيك الشعر على نحو نثريّ كي يقارن بين العبارة الشعرية وما آلت إليه بعد التفكيك من انعدام الرونق الذي كان لها، ومن ذلك وقوفه عند قول إبراهيم بن العباس يخاطب الوزير محمد بن عبد الملك الزيات:
فلو إذْ نبا دهر وأُنكر صاحبٌ
تكونُ عن الأهْوازِ داري بنَجْوَةٍ ... ولكنْ مقاديرٌ جَرَتْ وأُمورُ
وإني لأَرجو بَعْدَ هذا محمَّدا ... لأَفضلِ ما يُرْجَى أخٌ ووزيرُ
(1) دلائل الإعجاز، ص261.