فهرس الكتاب

الصفحة 17628 من 23694

ويؤكد عبد القاهر أن الفصاحة هي فصاحة تأليف، وأن هذا التأليف لابد أن يقود إلى معنى، وأن المعنى في تركيبٍ مّا لا يمكن أن يظلّ هو هو في تركيب آخر دون أن يفقد بعض مزاياه وبعض حسنه وزينته. وعبد القاهر في هذا يستهدي بمقولة الجاحظ في الصياغة فينقلها بنصها كما وردت عند صاحبها [1] ، ويبني عليها فيما يبدو كثيرًا مما أتى به فيقول مثلًا: إن"سبيل المعاني سبيلُ أشكال الحُلِيّ كالخاتم والشَّنْف والسوار، فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غُفلًا ساذجًا، لم يعمَل صانعه فيه شيئًا أكثر من أن أتى بما يقع عليه اسم الخاتَم إن كان خاتمًا، والشَّنْفِ إن كان شنفًا، وإن يكون مصنوعًا بديعًا قد أغرب صانعه فيه. كذلك سبيلُ المعاني، أن ترى الواحد منها غُفلا ساذجًا عاميًّا موجودًا في كلام الناس كلّهم، ثم تراه نفسه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصور في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الصَّنَعُ الحاذق حتى يُغْرِب في الصنعة، ويُدِقُ في العمل، ويُبدع في الصياغة" [2] .

ويعمد عبد القاهر إلى أن يقابل بين قول الناس:"الطبع لا يتغير"أو"لستَ تستطيع أن تخرِج الإنسان عما جُبل عليه"وقول المتنبي:

يُراد من القلب نِسْيانُكُم

فيرى في قول الناس"معنىً غُفْلًا عاميًّا معروفًا في كل جيل وأمة"في حين أن قول المتنبي"قد خرج في أحسن صورة، وتحول جوهرة بعد أن كان خرزة، وصار أعجب شيء بعد أن لم يكن شيئًا" [3] . وما يُلْحظ ههنا أن عبد القاهر يقف عند حدود التذوق ومجرد الإحساس بالجمال من دون أن يعلل السر من وراء ذلك الجمال الذي رآه في قول المتنبي، ومن دون أن يكشف شيئًا من تلك الفروق التي ارتفعت بقول المتنبي عن أن يكون غفلًا عاميًّا. ... وسُلّط أعداءٌ وغاب نصيرُ

(1) انظر: دلائل الإعجاز، ص255-257.

(2) دلائل الإعجاز، ص422-423.

(3) دلائل الإعجاز، ص423.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت