الحق أننا لا نستطيع أن نفهم كيف تكون المباني غريبة مع حَظْر التقديم والتأخير والحذف والزيادة. ويخيّل إلينا أن مصدر هذا التناقض هو اعتماد العسكري آراء بعض النقاد من دون أن يمحِّص فيها أو يلتفت إلى ما يمكن أن يكون في جمعها على صعيد واحد من تناقض.
وإذا مضينا في الحديث عن التقديم والتأخير باعتباره أهم ما في المستوى التركيبيّ وجدناه يكون سائغًا في اللغات المعربة أكثر من تلك التي لا إعراب فيها، ولمّا كانت العربية لغة معربة كانت إمكانات التقديم والتأخير فيها كبيرة، وقد استثمرها الشعراء خير استثمار. وكيف لا وكثير من فنهم يقوم على تشكيل اللغة تشكيلًا جميلًا..؟!.. بيد أنهم في الحق لم ينفردوا بهذه الإمكانات بل شاركهم فيها غيرهم من مستعملي اللغة وإن كان ذلك على نحو ضيّق، وذلك أن العربية، إذ تتميز بكثير من الحرية في ترتيب أجزاء القول، تظلّ مع ذلك محتفظة ببعض القيود وكذلك ببعض الثوابت التي تختلف في درجتها وفي مدى ثباتها، ومن هنا فقد ارتأى بعض اللغويين [1] أن يَمِيزوا في هذا الصدد بين نوعين من الرتب: رتبة يجوز فيها التصرف وهي التي سميت بالرتبة غير المحفوظة التي تجيز لمستعمل اللغة شاعرًا كان أو ناثرًا أن يتصرف فيها كرتبة المفعول به ورتبة الخبر والظرف وما إلى ذلك [2] ،
(1) انظر: حسان، تمام: اللغة العربية؛ معناها ومبناها، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1979، ص207-210.
(2) انظر: ابن جني: الخصائص، تح: محمد علي النجار، دار الهدى للطباعة بيروت (د.ت) 2/382..