فهرس الكتاب

الصفحة 17624 من 23694

ومن جهة أخرى فإنه إذا كان بعض القدماء قد عدّوا التقديم والتأخير ضربًا من المجاز [1] . وكان هذا منهم التفاتًا إلى ما يمكن أن يحتويه التقديم والتأخير من شعرية وفن فإن هذا فيما يبدو لم يكن ليخطر لأبي هلال العسكريّ ببال. ويلوح أنه قد اختار أن يحذو في أمر التقديم والتأخير حذو ابن المدبر فاعتبره هو أيضًا من سوء الرصف، قال:"وحسن الرصف أن توضع الألفاظ في مواضعها، وتُمَكَّنَ في أماكنها، ولا يُستَعمل فيها التقديم والتأخير والحذف والزيادة إلا حذفًا لا يفسد الكلام ولا يعمِّي المعنى... وسوءُ الرصف تقديم ما ينبغي تأخيره منها" [2] . ولا ندري كيف نوفّق بين قول العسكريّ هنا في التقديم وبين قولٍ آخر جعل فيه مدار البلاغة على تحسين اللفظ بدليل"أن الخطب الرائقة والأشعار الرائعة ما عُمِلت لإفهام المعاني فقط؛ لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيدة منها في الإفهام، وإنما يدل حسُن الكلام، وإحكامُ صنعته، ورونقُ ألفاظه، وجودةُ مطالعه، وحسنُ مقاطعه، وبديعُ مباديه، وغريبُ مبانيه على فضل قائله، وفهم منشئه" [3] .

(1) انظر: أبا عبيدة: مجاز القرآن، تح: محمد فؤاد سزكين، ط2، مكتبة الخانجي دار الفكر القاهرة 1970، 1/12، 19 وانظر أيضًا: ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن، ص15-16 وابن فارس: الصاحبي في فقه اللغة، ص197. وقد أشار الزركشي فيما بعدُ إلى اختلاف العلماء في عد التقديم والتأخير من المجاز؛ فمن عدّه منهم فعلى اعتبار أن تقديم ما رتبته التأخير كالمفعول وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل نقلُ كلّ واحد منهما عن رتبته وحقه. انظر: البرهان في علوم القرآن، تح: يوسف المرعشلي ورفيقيه، ط2 دار المعرفة بيروت 1994، 3/303.

(2) الصناعتين، تح: علي البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ط1 دار إحياء الكتب العربية القاهرة 1952، ص161.

(3) الصناعتين، ص58 والتأكيد من عندي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت