على أن في المتقدمين من عدَّ لجوء الشاعر إلى التقديم والتأخير والحذف وما إلى ذلك بابًا من أبواب الاضطرار إن هو اغتفر في الشعر فإنه لا يغتفر في النثر، يقول ابن المدبِّر (ت279هـ) :"ولا يجوز في الرسائل ما يجوز في الشعر؛ لأن الشعر موضع اضطرار فاغتفروا فيه الإغراب وسوء النظم والتقديم والتأخير والإضمار في موضع الإظهار" [1] . فكأن هذا النص يريد أن يجعل التقديم والتأخير ضربًا من سوء النظم، ولعله لمّا رأى أن هذه الظاهرة تكثر في الشعر ظن بل قرّر أن"إساءة النظم في التأليف في الشعر كثير" [2] ، مع أن المتوقع لهذه الكثرة أن تكون مدعاة لابن المدبر كيما يفكّر في إيجاد تعليل سائغ لها، إذ من غير المعقول أن يكثر في الشعر التقديم والتأخير الذي ظنه عيبًا ثم يظل لهذا الشعر أثره في النفوس وسلطانه الغالب إلا أن تكون الأذواق فاسدة لا تَمِيز بين قبيح وجميل.
ولكننا من طرف آخر يمكننا أن نقرأ في كلام ابن المدبر وجهًا آخر من أوجه التفريق بين الشعر والنثر متمثلًا فيما يراه من حرية التركيب الشعريّ التي يتحرك بها وفيها والتي لا يريد للرسائل أن تَشْرَكه فيها، فلعله رأى في إشراكها خروجًا عن حدودها المرسومة؛ ولاسيما أنه في سياق حديث عن نوع خاص منها وهو الرسائل الديوانية التي تتسم بطابع رسميّ ربما لا تستساغ فيه حذلقة الشعر إن صح أن في الشعر حذلقة.
(1) الرسالة العذراء، تح: زكي مبارك، دار الكتب المصرية 1931، ص19.
(2) الرسالة العذراء، ص21.