تعليق نابع من إدراكه أن الشعر عالم آخر يختلف عن الكلام على أنحاء عديدة. وقد كان الجاحظ محقًّا في نفيه الشاعرية عن قائل هذين البيتين؛ ذلك بأن التركيب الذي بُني عليه البيتان تركيب فيه كثير من السذاجة التي تَولّدت من طغيان النثرية والتقريرية المباشرة، ومن ثمة لم يختلف البيتان عن لغة الحديث العاديّ المباشر. ولعلنا نستطيع أن نستشف ذلك من قول الجاحظ الذي قرّر فيه أن"المعاني مطروحة في الطريق... وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة، وضَرْبٌ من النسج وجنس من التصوير" [1] . وليس مما يخفى أن"السبك"و"الصياغة"و"النسج"مصطلحات ومفهومات تقع في صميم التركيب. ... وتأبى الطباعُ على النَّاقِل
ولعل الأمر يتضح في نص آخر ذهب فيه إلى أن"الشعر لا يستطاع أن يترجَم"ولا يجوز عليه النقل، ومتى حُوِّل تقطّع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب منه لا كالكلام المنثور" [2] . وههنا فلابد أن مفهوم النظم هو شيء آخر غير الوزن، لأنهما مذكوران معًا؛ ولابد أن معناه هو هذا التركيب الذي يمتاز به الشعر."
(1) الحيوان، تح: عبد السلام هارون، ط1 مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر 1938، ج3، ص131-132.
(2) الحيوان 1/75.