فهرس الكتاب

الصفحة 17620 من 23694

بيد أن كثيرًا من القدماء عدُّوا ما يرونه من اختلاف الشعر في نظمه عن الكلام العاديّ من قبيل الضرورة. وكان هذا الوصف بالضرورة كما يقول إبراهيم أنيس"وصمة وصموا بها الشعر العربيّ عن حسن نية منهم" [1] . وكثيرًا ما كانوا يعزون سبب هذه الضرورة إلى الوزن والقافية باعتبارها قيدين على نحو ما. وقلّما التفتوا إلى طبيعة التجربة الشعورية المعقدة لدى الشاعر وما لها من تأثير على أسلوبه.

ويبدو للمرء أن ثمة من العلماء من أدرك ما للشعراء من امتياز. وقد يكفي أن نقرأ كلام الخليل الذي يرى فيه أن"الشعراء أمراء الكلام، يصرّفونه أنى شاؤوا ويجوز لهم مالا يجوز لغيرهم" [2] . وتصريف الكلام ههنا عنوان كبير تدخل فيه أشياء كثيرة لابد أن حرية التركيب واحدة من أهمها.

ويبدو أن الجاحظ هو واحد من أولئك القدماء الذين تنبهوا إلى أهمية التركيب، فقد لاحظ مصطفى ناصف"أن الجاحظ يُعوِّل في كل مكان من كتاباته على عبارتين أساسيتين هما: الحسُّ الغريب والتركيب العجيب"، وأن تصوّره لفن النثر كان"مختلفًا أتم الاختلاف عن الشعر" [3] . ولكنّ ناصفًا لا يتسع كثيرًا في بيان كيف تبدّى هذا الاختلاف، وإن كنا نعتقد أن ملاحظة أبي عثمان الشهيرة في"المعاني المطروحة في الطريق"تقع في صلب هذا الاختلاف. وإذا جاز أن نعيد طرفًا مما قاله والسياق الذي ورد فيه فحينئذ سنجد أن تعليقه على البيتين اللذين حظيا بشهرة في تاريخ النقد العربي بفضله:

لا تحسبنَّ الموتَ موتَ البلى

كلاهما موتٌ ولكنَّ ذا ... أشدُّ من ذاك، لذلِّ السؤال

(1) من أسرار اللغة، ط4 مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة 1972، ص343.

(2) حازم القرطاجني: منهاج البلغاء، تح: محمد الحبيب بن الخوجة، ط3 دار الغرب الإسلامي بيروت 1986،

ص143.

(3) محاورات مع النثر العربي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت 1997، ص114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت