وهذا ما عبّر عنه علي بن سليمان المعروف بحيدرة اليمنيّ (ت 599هـ) حين قال:"أمّا الشعر في نفسه فهو الدرجة العليا من الكلام كله بعد الكلام الإلهيّ والكلام النبويّ، فهما فوق كل كلام، وفوق كل ذي فوق لبلاغتهما وشرف المتكلم بهما، وما سوى هذين من كلام العرب فيكون على مرتبتين: عُلياها النظم لما جمع من البلاغة والوزن والتقفية، وسفلاها النثر لتعرّيه من الوزن والقافية" [1] . وحقًا إن الكلام الإلهيّ والكلام النبويّ هما فوق كل ذي فوق بيد أن الاستشهاد بهما لم يطغ على الشعر، وتلك حقيقة لا تنطبق على النحو فحسب، بل هي تَعمُّ التراث البلاغيّ والنقديّ في مجمله، فالشعر هو المادة الأكثر غزارة. وطبيعيّ إذًا أن يكون الاستشهاد به أكبر وأعظم، فإذا كان الأمر كذلك فلنا أن نتساءل كيف نظر القدماء إلى تركيب هذا الشعر مقارنةً بالنثر..؟.. وهو تساؤل لا نحسب أن الباحث يمكنه أن يجيب عنه إلا على نحو مجتزأ. وقبل أن نمضي في تلك المحاولة لابد أن نشير إلى أن الحديث عن خصائص الشعر التركيبية لا يتم في معزل عن الخصائص الدلالية، ومن ثمة فإن الفصل بينهما ليس إلا فصلًا درسيًا؛ لأن التركيب هو الذي يولّد الدلالة، وكذلك فإن قسطًا غير هيّن من دلالات الشعر المتميِّزة له ارتباط وثيق بطريقة رصف الكلمات بعضها إلى بعض.
(1) كشف المشكل في النحو والتصريف، ص454 نقلًا عن محمد العبد: الرواية والاستشهاد باللغة، عالم الكتب القاهرة 1972، ص140.